دار الإفتاء تحسم الجدل: الطهارة ليست شرطاً لصحة السعي بين الصفا والمروة
أكدت دار الإفتاء المصرية، في بيان توضيحي هام، أن الطهارة ليست شرطاً لصحة السعي بين الصفا والمروة، وأنها تُعد سُنَّة يُستحب للمُحرِم المحافظة عليها ما أمكن، ولكنها في الوقت ذاته ليست ركناً يبطل السعي بتركه، مما يبعث بالطمأنينة في نفوس الكثير من النساء اللواتي يواجهن ظروفاً صحية طارئة أثناء أداء مناسك العمرة.
جاء هذا التوضيح رداً على سؤال متكرر من امرأة داهمها الحيض بعد انتهائها من الطواف وصلاتها لركعتي السنة، وقبل البدء في السعي، حيث لم تتمكن من انتظار الطهر لارتباطها بموعد سفر محدد، فأتمت سعيها وهي على هذه الحال، لتقضي دار الإفتاء بصحة عمرتها وأنها لا حرج عليها ولا يلزمها إعادة أو فدية.
التفرقة الفقهية بين الطواف والسعي في مسألة الطهارة
أوضحت الدار أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله العظيمة التي أقرها القرآن الكريم، ويختلف في حكمه عن الطواف حول الكعبة؛ حيث اشترط جمهور الفقهاء الطهارة للطواف كونه صلاة، بينما ذهب الفقهاء إلى أن السعي لا تُشترط له الطهارة، وهو ما يعني جوازه من المحدث والجنب والحائض، طالما أن الطواف قد تم صحيحاً.
يعد هذا التيسير الفقهي رحمة بالمعتمرات اللواتي قد يتعرضن لمثل هذه المواقف الاضطرارية، خاصة مع ضيق مواعيد السفر أو صعوبة تغيير خطط الحج والعمرة، حيث أكدت دار الإفتاء أن السعي يصح بلا طهارة، ولا إثم على المرأة في فعلها هذا، ولا تترتب عليه أي تبعات شرعية من كفارة أو ذبح فدية.
آراء الفقهاء وأدلتهم على صحة سعي الحائض
استندت دار الإفتاء إلى تراث فقهي رصين يجمع مذاهب أهل السنة، حيث نقلت عن الإمام ابن نُجيم الحنفي في كتابه "البحر الرائق" أن الطهارة من سنن السعي، وأن سعى الحائض والجنب صحيح، وكذلك نقلت عن الإمام النووي الشافعي قوله في "المجموع": "مذهبنا ومذهب الجمهور: أن السعي يصح من المحدث والجنب والحائض".
كما أشارت الدار إلى ما قاله الإمام الخرقي الحنبلي، والذي أكد أن من سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة فقد أجزأه سعيه، وإن كره العلماء ذلك من باب المحافظة على السنن، مما يؤكد إجماع الفقهاء على أن عدم الطهارة في السعي لا يفسد النسك ولا يخرجه عن كونه شعيرة صحيحة ومقبولة بإذن الله.
الجذور التاريخية والروحية لشعيرة السعي
لفتت دار الإفتاء إلى أن أصل شعيرة السعي يعود إلى قصة السيدة هاجر -أم إسماعيل عليه السلام- حين كانت تبحث عن الماء لولدها بين جبلي الصفا والمروة، لتصبح هذه الحركة رمزاً للبحث والسعي والتوكل على الله، وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في حجه، حيث قال: "فذلك سعي الناس بينهما".
يظل هذا السعي تجسيداً لروح الصبر واليقين التي ميزت أم إسماعيل، ويؤديها المسلمون اليوم كجزء لا يتجزأ من مناسكهم، مع التأكيد على أن الشريعة الإسلامية جاءت لتكون يسراً ورحمة، تفرق بين ما هو ركن أساسي في النسك، وبين ما هو من السنن والفضائل التي لا يضر تركها بصحة العمرة أو الحج.
التيسير في مناسك العبادات وفقه الضرورة
إن منهج دار الإفتاء المصرية في التعامل مع القضايا الفقهية المعاصرة، لا سيما في مناسك الحج والعمرة، يعتمد على روح الشريعة التي تهدف إلى التيسير على العباد ودفع الحرج عنهم.
إن إدراك الفرق بين شروط الطواف وشروط السعي يعد نموذجاً لفهم مقاصد الشرع الذي جعل الطواف "صلاة" تستلزم الطهارة، وجعل السعي "شعيرة" مستقلة تقبل في ظروف مختلفة، مما يمنع المشقة عن النساء خاصة في مواسم الازدحام.
إن هذا الفقه يراعي الواقع المعاش للمسلمين، ويحميهم من الوساوس أو الشعور بالذنب تجاه أمر لا يبطل عباداتهم، وهو ما يجسد حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على تقديم الحلول الشرعية لكل المسائل الطارئة.
تظل هذه الفتاوى بمثابة مرجعية آمنة للمعتمرين، تؤكد أن الغاية من العبادات هي القربة إلى الله والقيام بشعائره بقلب مطمئن، مع التزام تام بالقواعد الشرعية التي ضبطها الفقهاء منذ قرون. إن التمسك بهذه الآراء الفقهية المعتبرة يساهم في نشر الوعي الديني الصحيح، ويقوي صلة المسلم بربه، بعيداً عن التشدد الذي قد ينفر الناس من العبادات، ويقربهم إلى منهج الوسطية والاعتدال الذي هو جوهر الدين الإسلامي الحنيف.