ads
الثلاثاء 16 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

من إجماع الاستئصال إلى ميثاق الائتمان:نظرات فى قضية الانتقال الوجودى من ضيق الأزمة إلى سعة العهد

إن الحديث عن الهجرة النبوية ليس سرداً لوقائع تاريخية مرّ عليها الزمن فبردت، بل هو وقوف عند لحظة فارقة انبجس فيها من رحم المحنة نور البناء، وتحوّل فيها الامتحان إلى مدرسة، والانتقال إلى تأسيس واستقرار. وما أشد حاجة العقل المسلم اليوم، وهو يخوض غمار أزمات متلاحقة، إلى أن يستلهم من تلك الرحلة المباركة معاني الحكمة العملية المقترنة بعمق البصيرة، لا يفصل بينهما وهم التقسيم الذي شقي به البعض حين جعلوا التدبير البشري خصماً لليقين الرباني.

إن المتأمل في قرار دار الندوة بإجماع سادة القوم على تصفية القيادة النبوية جسدياً، يدرك أنه كان أمام أزمة وجودية بأتم معانيها. لم تكن الأزمة مجرد تهديد سياسي أو ضغط اجتماعي، بل كانت محاولة استئصال لفكرة قبل أن تستوي شجرة، وخنق لدعوة في مهدها. وهنا تتجلى أعظم دروس الهجرة في فقه إدارة الأزمات: أن الأزمة الكبرى لا تواجه بالارتجال ولا بالحماسة العاطفية المجردة، بل بمنظومة تفكير  واعية ومتأنية،وقودها حرارة اليقين. فإذا كان الإيمان يمدّ القلب بالثبات، فإن العقل هو الذي يرسم للثبات المسالك في الأرض. ومن ثم لم يكن مبيت الحارس الأمين في فراش القيادة مجرد موقف فدائي تختزله العاطفة، بل كان تكتيكاً أمنياً دقيقاً في تعمية الخصم وكسب الزمن. إن تأخير لحظة الاكتشاف ساعة واحدة في لحظة الاستهداف القصوى قد يعني الفرق بين الحياة والفناء. وهذا هو سرّ "تعمية المسارات" التي بدأت بها الرحلة: اختيار المسار الجنوبي نحو المخبأ الجبلي بدل المسار الشمالي المتوقع، ليس مخالفة للبوصلة، بل إعادة ضبط لها، لأن العدو يحاصر ما يتوقعه، ولا يحاصر ما لا يخطر له ببال. وهكذا يعلمنا الحدث أن العبقرية الأمنية ليست في إخفاء الأثر فقط، بل في صناعة أثر متوهم يستهلك جهد الخصم ويبدد تركيزه.

لقد قامت خطة الهجرة على مبدأ بالغ الدقة في توزيع المعرفة، فلم تُعطَ الصورة الكاملة إلا لمن يحمل تبعة القرار، بينما جُزّئت المهام على بقية العناصر كلٌّ بحسب وظيفته. فمنهم من كان ينقل نبض المدينة من قلب مجالسها دون أن يعرف موعد الخروج، ومنهم من كان يحمل الزاد دون أن يسأل عن الوجهة، ومنهم من كان يمحو الأثر دون أن يدرك حجم الخطر. هذه "تجزئة المعلومات" ليست سوء ظن بالرجال والنساء، بل هي قمة الثقة بحرمة الأمانة. فالمؤسسة الراشدة لا تبتلى بسقوط فرد، لأن سقوطه لا يكشف إلا جزءاً من الخريطة لا الخريطة كلها. وما أحوج أعمالنا اليوم، دعوية كانت أو إدارية أو إعلامية، إلى هذا الأدب في التعامل مع المعلومة: أن تعطي لكل واحد ما يعينه على أداء مهمته دون أن تحمله عبء ما لا يطيق من السرّ، فتكون بذلك قد حفظته وحفظت المشروع معه.

 غير أن أشد ما يمتحن القيادة في الأزمات ليس الخطة المحكمة، بل المتغير الطارئ الذي لا يدخل في حساباتها. وهنا تظهر عبقرية الاستجابة المرنة التي تجلت في لحظتين: لحظة وقوف المطاردين على باب المخبأ، ولحظة إدراك الطامع للركب. في الأولى، لم يكن الرد خطاباً حماسياً عن المعجزات، بل كان تثبيتاً للقلب المضطرب: "لا تحزن إن الله معنا". إنها كلمة العارف الذي استنفد الأسباب فلم يبق له إلا أن يسلم القيادة لمن بيده الأمر. وفي الثانية، تحوّل التهديد إلى فرصة: الطامع الذي جاء طلباً للغنيمة، خرج حارساً على السرّ. وهذه هي قمة إدارة الضغوط: أن لا تنهار أمام المفاجأة، بل تعيد قراءتها فإذا بها باب جديد للنجاة. إن القيادة المؤسية الناجحة هي التي تملك هذه المرونة الذهنية، فلا تقدّس الخطة على حساب الهدف، بل تعدّل الخطة كلما فرض الواقع معطياته، محتفظة في الوقت نفسه ببوصلة الهدف لا تحيد.

ولعل أعمق معاني الهجرة يتجلى في ذلك التوازن المرهف بين استفراغ الجهد البشري والانقطاع القلبي إلى الله. لقد استُؤجر الدليل الخبير لخبرته بالمسالك، وروعيت ساعات السير والراحة، واختير المخبأ لطبيعته الجبلية الوعرة. لم يقل أحد: نحن  لا حاجة بنا إلى الأسباب. بل كان اللسان يقول بلسان الحال: نأخذ بكل سبب كأن النجاة معلقة به، ونعلق القلب بالله كأن الأسباب لا وزن لها. وهذا هو التوكل الذي علّمه القرآن: سعي الجوارح مع سكون القلب. فإذا بلغت الأسباب منتهاها وانقطع الرجاء من الخلق، نزل المدد الإلهي ليحفظ الثمرة التي بُذل في سبيلها كل ما في الوسع. وهكذا تربّينا الهجرة على أن المعجزات لا تنزل على الكسالى، وأن الدعاء بلا عمل تمنٍّ، وأن العمل بلا دعاء غرور.

ولما استقرت الخطى في المدينة الجديدة، لم تكن الهجرة قد انتهت، بل بدأت مرحلتها الأصعب: الانتقال من إدارة الخطر إلى صناعة المجتمع. لقد ورثت القيادة مدينة ممزقة بثارات قديمة، ومجزأة بتكتلات ذات نفوذ مالي وعسكري، ومثقلة بوافدين فقدوا كل شيء إلا دينهم. وكان هذا المشهد يحتاج إلى تدخل تشريعي مؤس لا إلى خطابة واعظة. فكان أول الفعل "آلية الدمج البنيوي" بين الأصلاء والوافدين، وهي ليست عاطفة أخوية عابرة، بل آلية دمج تحوّل بها الوافد الضعيف إلى شريك في البناء. لقد كسرت هذه الآلية عصبية الدم، وأقامت مكانها رابطة العقيدة والمواطنة. فلم يعد المقيم يقول: هذا ضيفي، بل صار يقول: هذا أخي وشريكي. وبذلك تحول العبء الاقتصادي إلى طاقة إنتاجية، وتحولت الكتلة الوافدة من عبء إنساني إلى رافعة حضارية.

ولاستيعاب التعدد الأوسع، كانت "الوثيقة الدستورية" ميثاقاً سبق عصره بقرون. لم تحاول الوثيقة أن تمحو الاختلاف العقدي بقوة السيف، لأن الإكراه في الدين نقض لأصل تعبدي ورد في قوله تعالى: "لا إكراه في الدين"؛ بل صاغت إطاراً تعاقدياً يجعل من التعدد مصدر قوة لا سبب فرقة. فأقرّت لكل مكون دينه وأمواله، واشترطت على الجميع بندين جوهريين: المرجعية القضائية الواحدة، والدفاع المشترك عن الحمى. وهنا تأسست "سيادة القانون" فوق عصبية القبيلة، فلم يعد الثأر بيد العشيرة، بل بيد الدولة. كما تأسست "المواطنة التعاقدية" التي لا تسأل عن معبدك حين يأتي العدو، بل تسألك: هل ستدافع عن المدينة؟ وهذه هي الحكمة السياسية العالية: أن تجعل من المصير المشترك قاسماً يجمع المختلفين، فلا تطلب منهم وحدة المعتقد، وتطلب منهم وحدة المصير.

إن قراءة هذه الوثيقة في ضوء فلسفة الائتمان تكشف لنا أن العقد الاجتماعي النبوي لم يكن قائماً على المصلحة المجردة، بل على ائتمان الإنسان على أخيه الإنسان. لقد آمنت القيادة النبوية أن الإنسان مؤتمن على حق غيره حتى ولو خالفه في الدين، وأن حفظ هذا الحق جزء من التدين نفسه. ولذلك شُدِّد على أن خيانة العهد مع المختلف ذنب لا يغفره الله، لأن فيه نقضاً للبعد الإنساني السابق على البعد الديني. وهذا يفسر لنا لماذا احتفظ الحق سبحانه بسلطان "تقليب القلوب" لنفسه ولم يفوضه لأحد، حتى لا يتسلط المؤمن على قلب الآخر باسم الولاء والبراء. فهناك حق إنساني سابق على حق التدين، وحفظه من مقتضيات العدل الذي قامت به السماوات والأرض.

وإذا أردنا أن نصوغ خلاصة هذه الرحلة المباركة قلنا: إن الهجرة علمتنا أن الطريق إلى الله لا يُقطع بالأقدام وحدها، بل بالقلوب أولاً. وأن العزلة الشعورية التي عاشها المستضعف في قصر الطغيان، هي عينها التي عاشتها القيادة في غار الجبل: عزلة من يرى الدنيا كلها ولا يرى فيها إلا الله. وأن قرب الله لا يُقاس بالمسافة المكانية، فربّ عبد في قصر الطغيان أقرب إلى الله من عبد بجوار البيت إذا غاب قلبه. وأن إدارة الأزمات فنٌّ يبدأ بضبط النفس قبل ضبط الخطة، وأن أمن المعلومات يبدأ بحفظ السرّ عن النفس قبل حفظه عن العدو.

إن الهجرة ليست ذكرى نستدعيها كل عام لنبكي على أطلال الماضي، بل هي مشروع حياة نستدعيه كل يوم لنشيّد من فضائل المدن ومثل المجتمعات ما نفاخر بقواعد بنائه وسنن تشريعه، فإذا لم ندرك من الكمال غاية فحسبنا من إخلاص النية وصدق العزم بداية لا نهاية.

مشروع يقول لنا: لا تخف من كيد الخصوم إذا أحكمت تدبيرك، ولا تغتر بكثرة الأسباب إذا غاب يقينك، ولا تيأس من تنوع الناس إذا عدلت في حكمك. فالهجرة درس دائم في أن الانتقال من الضعف إلى القوة يمر بثلاث محطات لا بد منها: محطة التخطيط التي تحترم سنن الله في الكون، ومحطة التوكل التي ترد الأمر إلى الله بعد استفراغ الوسع، ومحطة التأسيس التي تبني الإنسان قبل أن تبني الجدران.

وبعد، فكم من أزمة نعيشها نتعامل معها بعاطفة محترقة أو يأس بارد، وننسى أن بين الأزمة والميثاق "غاراً" يجب أن ندخله؟ إن المجتمعات  اليوم أحوج ما تكون إلى صحيفة مدينة جديدة: ميثاق شرف مهني، ميثاق تعايش أسري، ميثاق حوكمة مؤسسي... لا يمحو الاختلاف، بل ينظمه. لا يطلب منك أن تغير قناعتك، بل يطلب منك أن تحفظ عهدك. ومن ثم فليكن شعارنا في كل أزمة: "لا تحزن إن الله معنا"... ثم نأخذ بالأسباب كأنها كل شيء، ونتوكل كأنها لا شيء، حتى يأتي الفرج من حيث لا نحتسب وكان فرج الله قدرا مقدور

تم نسخ الرابط