ads
السبت 27 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

الدكتور عبد الحي عزب.. الرئيس الذي أعاد لجامعة الأزهر هيبتها وشكلها الحضاري

خلف الحدث

لم يكن تولي الأستاذ الدكتور عبد الحي عزب رئاسة جامعة الأزهر في أكتوبر عام 2014 مجرد انتقال إداري في قيادة واحدة من أعرق الجامعات الإسلامية في العالم، بل جاء في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجامعة، بعدما فرضت الظروف السياسية والأمنية تحديات غير مسبوقة على الحرم الجامعي، لتبدأ مرحلة جديدة ارتبط اسمها بإعادة الانضباط، وترميم ما أفسدته سنوات الاضطراب، والانطلاق في تنفيذ مشروعات تطوير عمرانية وتعليمية لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

ويُعد الدكتور عبد الحي عزب الرئيس الرابع عشر لجامعة الأزهر، وأحد أبرز أساتذة أصول الفقه، حيث جمع بين المسيرة الأكاديمية الثرية والخبرة الإدارية الممتدة داخل مصر وخارجها، قبل أن يتولى قيادة الجامعة في مرحلة مفصلية من تاريخها.

النشأة والبدايات العلمية

ولد الدكتور عبد الحي عزب في السابع والعشرين من أغسطس عام 1952 بقرية أم الزين التابعة لمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، وتلقى تعليمه في المعاهد الأزهرية حتى التحق بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، التي تخرج فيها عام 1978 بتقدير جيد جدًا.

عُين عقب تخرجه وكيلًا للنائب العام، إلا أن شغفه بالحياة الأكاديمية دفعه إلى ترك العمل القضائي بعد صدور قرار تعيينه معيدًا بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1980، ليبدأ رحلة علمية طويلة تخصص خلالها في أصول الفقه.

وفي عام 1985 حصل على درجة الماجستير بتقدير ممتاز، ثم نال الدكتوراه عام 1988، قبل أن يتدرج في السلم الأكاديمي حتى وصل إلى درجة الأستاذية عام 2001.

خبرات دولية صنعت شخصية قيادية

امتدت خبرة الدكتور عبد الحي عزب خارج الحدود المصرية، حيث أُعير إلى المملكة العربية السعودية بين عامي 1991 و1996، وأسهم في تطوير المناهج الدراسية، وشارك في لجان تطوير التعليم، كما أصبح عضوًا في مجلس كلية الآداب للبنات بالرياض.

وبعدها انتقل إلى سلطنة عمان، حيث واصل دوره الأكاديمي، وترأس لجنة التحكيم بكلية الشريعة والقانون، كما انضم إلى مجلس كلية الحقوق، وأسهم في تطوير البرامج التعليمية هناك، وهو ما أكسبه خبرات واسعة في الإدارة الجامعية وتطوير المؤسسات التعليمية.

من العمادة إلى رئاسة الجامعة

شغل الدكتور عبد الحي عزب عددًا من المناصب القيادية داخل جامعة الأزهر، فكان عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية بالقرين، ثم عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية ببني سويف، قبل أن يتولى رئاسة قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة.

وفي عام 2014 وقع عليه الاختيار لرئاسة جامعة نور مبارك بكازاخستان، إلا أن ترشيحه لرئاسة جامعة الأزهر غيّر مسار الأحداث، فاعتذر عن المنصب الخارجي، ليصدر قرار رئيس مجلس الوزراء بتعيينه رئيسًا لجامعة الأزهر في الأول من أكتوبر 2014.

رئيس واجه الفوضى وأعاد الانضباط

تولى الدكتور عبد الحي عزب قيادة جامعة الأزهر في توقيت بالغ الصعوبة، بعدما شهدت الجامعة موجة من الاحتجاجات والأحداث التي أثرت على انتظام الدراسة وشكل الحرم الجامعي.

وخلال فترة رئاسته، اتخذ عددًا من الإجراءات التي استهدفت إعادة الانضباط داخل الجامعة، والحفاظ على انتظام العملية التعليمية، مع العمل على إعادة تأهيل المباني التي تعرضت للتلف، واستعادة المظهر الحضاري للحرم الجامعي.

وكان من أبرز المبادرات التي ارتبطت باسمه إطلاق معسكرات بيئية واسعة لتنظيف الجامعة، وإزالة الكتابات والشعارات من الأسوار والمباني، ورفع كفاءة البوابات والأسوار، بما أعاد للجامعة صورتها التي تليق بتاريخها ومكانتها.

كما شهدت فترة رئاسته انعقاد أول مجلس لجامعة مصرية داخل مقر المحاكاة التابع لهيئة قناة السويس، في رسالة تؤكد ارتباط الجامعة بالمشروعات الوطنية الكبرى.

مشروعات عمرانية غيرت ملامح الجامعة

شهدت جامعة الأزهر خلال رئاسة الدكتور عبد الحي عزب طفرة واضحة في البنية التحتية، كان من أبرزها البدء في إنشاء المقر الجديد لمجلس الجامعة، وهو المشروع الذي وفر مقرًا إداريًا حديثًا يواكب التطور المؤسسي للجامعة.

كما شهدت تلك الفترة:

  • الافتتاح التجريبي للمستشفى التخصصي بمدينة نصر.
  • إنشاء المبنى الجديد لكلية الهندسة بنات.
  • تخصيص المباني الجديدة لكليتي الصيدلة وطب الأسنان للبنات.
  • إضافة طوابق جديدة لكليتي الطب والدراسات الإسلامية للبنات.
  • إنشاء وحدة الباطنة بمستشفى الحسين الجامعي.
  • تطوير وحدة الغسيل الكلوي بمستشفى الزهراء.
  • اعتماد إنشاء قاعة الاحتفالات الكبرى بمستشفى الحسين.
  • إنشاء مقر لفرع البنك الأهلي داخل الجامعة.
  • نقل اللجنة الطبية لأعضاء هيئة التدريس إلى المستشفى التخصصي.
  • إنشاء وحدات علاجية مجتمعية بكلية طب الأسنان.

توسع أكاديمي ودعم للكليات

لم تقتصر الإنجازات على المشروعات الإنشائية، بل امتدت إلى تطوير الهيكل الأكاديمي للجامعة، حيث شهد عهده تحويل عدد من الفصول الخارجية إلى كليات مستقلة، شملت كليات البنات في دمنهور وبورسعيد وكفر الشيخ، بما وفر فرصًا تعليمية أوسع للطالبات.

كما أُنشئ المعهد الفني للتمريض للبنات بأسيوط، وتم تعيين عدد من أوائل الخريجين ضمن أعضاء هيئة التدريس، دعمًا للكفاءات الشابة داخل الجامعة.

إنتاج علمي ومسيرة بحثية

يُعد الدكتور عبد الحي عزب من أبرز الباحثين في مجالات أصول الفقه والقضايا الفقهية المعاصرة، حيث نشر عشرات البحوث التي تناولت موضوعات تمس قضايا المجتمع، من بينها أثر الإدمان على الحياة الزوجية، وإثبات النسب بالوسائل الحديثة، وأثر العرف في الفتوى، والحقوق الشرعية للمريض، ودور الإسلام في حماية المرأة، وقضايا الأمن والسلام بين الشعوب.

كما ألّف عددًا من الكتب العلمية المهمة، من أبرزها:

  • الضوابط الشرعية للإفتاء.
  • مقاصد الشريعة ودورها في بناء الأحكام.
  • نظرية الاستصحاب ودورها في بناء الأحكام الشرعية.
  • منهج الكتابة في علم أصول الفقه.

وأشرف كذلك على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وكتب مقالات علمية وفكرية في جريدة «صوت الأزهر».

تكريمات وجوائز

حصل الدكتور عبد الحي عزب على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها درع البحث المتميز من سلطنة عمان لعدة أعوام متتالية، والجائزة التقديرية للعلوم من جامعة القاهرة عام 2012، كما مُنح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر 2014، تقديرًا لإسهاماته العلمية والأكاديمية.

إرث إداري وعلمي

ارتبط اسم الدكتور عبد الحي عزب في ذاكرة جامعة الأزهر بمرحلة استعادة الانضباط وإعادة تشكيل المظهر الحضاري للحرم الجامعي، إلى جانب إطلاق مشروعات إنشائية وتطويرية أسهمت في تحديث البنية الأساسية للجامعة، فضلًا عن دعمه للتوسع الأكاديمي والارتقاء بالخدمات التعليمية والصحية.

وبين مسيرة علمية امتدت لعقود، وخبرة إدارية داخل مصر وخارجها، ترك الرئيس الرابع عشر لجامعة الأزهر بصمة واضحة في تاريخ المؤسسة، لتظل فترة رئاسته واحدة من المحطات المهمة في مسيرة الجامعة نحو التطوير والتحديث، مع الحفاظ على رسالتها العلمية والدعوية الممتدة لأكثر من ألف عام.

تم نسخ الرابط