زيلينسكي يشارك في قمة الناتو وسط تراجع الدعم الغربي.. التمويل يتصدر أولويات أوكرانيا
تتجه أنظار العالم إلى العاصمة التركية أنقرة التي تستضيف يومي 7 و8 يوليو 2026 قمة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وسط ظروف سياسية وأمنية معقدة، حيث يشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بصفة ضيف في واحدة من أكثر القمم حساسية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في وقت يواجه فيه الحلف تحديات متزايدة تتعلق بوحدة مواقفه ومستقبل دعمه لكييف.
وتأتي القمة في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، إذ لم تعد قضية أوكرانيا تحظى بالإجماع نفسه داخل دول الحلف، بينما تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على الحكومات الأوروبية، بالتزامن مع استمرار الحرب واستنزاف الموارد العسكرية والمالية.

ثلاث أزمات تضغط على قمة الناتو
تشهد قمة الناتو هذا العام ما وصفته تقارير غربية بهجوم ثلاثي يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على الحلف، حيث يتمثل التحدي الأول في مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يواصل انتقاد مستويات الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية، ويطالب الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من الأعباء المالية، مع تلميحات متكررة إلى إمكانية تقليص الوجود العسكري والدعم الأمريكي في أوروبا.
أما التحدي الثاني، فيرتبط بتزايد الانقسام بين الدول الأعضاء بشأن استمرار تمويل أوكرانيا، بعدما بدأت بعض الحكومات الأوروبية تعلن صراحة رفضها تقديم مساعدات مالية أو عسكرية إضافية، في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية وتغير أولويات الإنفاق.
ويتمثل التحدي الثالث في التحذيرات الأمنية الصادرة عن أجهزة استخبارات في بولندا ولاتفيا، والتي تحدثت عن مخاوف من تحركات روسية قد تستهدف تنفيذ استفزازات على الحدود البولندية، الأمر الذي يرفع مستوى القلق الأمني داخل الحلف ويزيد من تعقيد جدول أعمال القمة.
زيلينسكي يغير أولوياته
بخلاف السنوات الأولى للحرب، لم يعد الرئيس الأوكراني يركز في تحركاته الدولية على المطالبة بمزيد من الأسلحة فقط، بل أصبحت الأولوية القصوى بالنسبة لكييف هي الحصول على دعم مالي يضمن استمرار الدولة الأوكرانية في تمويل العمليات العسكرية والحفاظ على استقرار الاقتصاد الذي تعرض لضغوط هائلة منذ بداية الحرب.
ويرى مسؤولون أوكرانيون أن تطوير صناعة الطائرات المسيرة منح الجيش الأوكراني قدرات قتالية متقدمة، ما خفف من الاعتماد على بعض الأسلحة الغربية الثقيلة، إلا أن استمرار العمليات العسكرية يتطلب تدفقات مالية ضخمة لتغطية النفقات الدفاعية والاقتصادية.
بولندا تعيد تقييم موقفها
برزت بولندا خلال السنوات الماضية باعتبارها من أبرز الداعمين لأوكرانيا، إلا أن الموقف البولندي شهد تغيرًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث أعلن رئيس الوزراء دونالد توسك أن بلاده تحتاج إلى إعطاء الأولوية لتعزيز قدراتها الدفاعية وحماية حدودها الشرقية، مع تقليل الحديث عن تقديم مساعدات مالية جديدة لكييف.
وأكد توسك أنه وجه وزيري الدفاع والخارجية بالتركيز على احتياجات بولندا العسكرية، في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها، كما قررت وارسو عدم تسليم ما تبقى لديها من مقاتلات "ميغ-29" إلى أوكرانيا، وهو ما يعكس تحولًا في أولويات الحكومة البولندية.
مواقف أوروبية أكثر تحفظًا
لم يقتصر التراجع في الدعم على بولندا فقط، بل امتد إلى عدد من دول أوروبا الوسطى، حيث أعلن رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو رفضه المشاركة في تمويل النفقات العسكرية الأوكرانية، مؤكدًا أن بلاده لن تتحمل أعباء إضافية في هذا الملف.
كما أبدى رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش تحفظه على دعم قرض الاتحاد الأوروبي المخصص لأوكرانيا، إضافة إلى رفض تصدير الطائرات التشيكية الخفيفة إلى كييف، بينما أعلن رئيس الوزراء المجري بيتر ماغيار رفضه استمرار تسليح أوكرانيا، وهو ما يعكس اتساع دائرة الخلافات داخل أوروبا بشأن مستقبل الدعم.
خلافات سياسية بين كييف ووارسو
ساهمت بعض القرارات التي اتخذتها القيادة الأوكرانية خلال الأشهر الماضية في زيادة التوتر مع بولندا، خاصة بعد تكريم شخصيات أوكرانية ارتبط اسمها بأحداث تاريخية مثيرة للجدل خلال الحرب العالمية الثانية، وهو ما أثار استياء واسعًا داخل الأوساط السياسية البولندية.
وأدى ذلك إلى تراجع مستوى العلاقات الثنائية، حيث اتخذت وارسو إجراءات رمزية وسياسية اعتبرها مراقبون رسالة اعتراض واضحة على بعض السياسات الأوكرانية، وهو ما انعكس بدوره على طبيعة الدعم المقدم لكييف.
أزمة تمويل تلوح في الأفق
تواجه أوكرانيا تحديًا ماليًا متزايدًا بعد تراجع حجم المساعدات الدولية، خاصة في ظل تعثر بعض المبادرات الأوروبية الرامية إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة في تمويل احتياجات كييف العسكرية والاقتصادية.
ورغم الحديث عن تعهدات داخل الناتو بتوفير نحو 70 مليار يورو كمساعدات عسكرية خلال عام 2026، فإن تقارير غربية تشير إلى أن الجزء الأكبر من هذا الرقم يعتمد على إعادة احتساب التزامات مالية قائمة بالفعل، وليس على تقديم تمويلات جديدة، وهو ما يقلل من تأثير هذه التعهدات على أرض الواقع.
أوكرانيا خارج المشهد الرئيسي
تشير تقارير إعلامية إلى أن الرئيس الأوكراني قد لا يشارك في الجلسة الرئيسية لقادة الناتو كما حدث في القمم السابقة، كما لن يلقي الخطاب التقليدي أمام زعماء الحلف، في خطوة اعتبرها مراقبون تعكس رغبة بعض الدول في تجنب إثارة خلافات إضافية داخل القمة، خاصة في ظل المواقف المتشددة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحلف وقضية أوكرانيا.
ويرى محللون أن هذا التطور يعكس تغيرًا في طريقة تعامل الحلف مع الملف الأوكراني، حيث باتت الأولوية لدى عدد من الدول الأعضاء تنصب على معالجة الخلافات الداخلية وتعزيز وحدة الحلف قبل اتخاذ أي التزامات جديدة تجاه كييف.
ترقب لنتائج القمة
تمثل قمة الناتو في أنقرة محطة مهمة لتحديد مستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، في ظل استمرار الحرب مع روسيا وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الحكومات الأوروبية، بينما يترقب المجتمع الدولي ما إذا كانت القمة ستنجح في تجاوز الخلافات الداخلية والتوصل إلى رؤية موحدة بشأن المرحلة المقبلة.
وتبقى نتائج الاجتماعات المرتقبة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لكييف، التي تواجه تحديات مالية وعسكرية متزايدة، في وقت تتغير فيه أولويات عدد من الحلفاء، بما قد ينعكس على مسار الحرب ومستقبل العلاقات بين أوكرانيا ودول حلف شمال الأطلسي.