البرلمان الأوكراني يختار سيرغي كوريتسكي رئيساً جديداً للحكومة وسط تعديلات وزارية شاملة
وافق البرلمان الأوكراني، الخميس، وبأغلبية ساحقة بلغت 289 صوتاً، على تعيين سيرغي كوريتسكي رئيساً جديداً للوزراء، خلفاً ليوليا سفيريدينكو، وذلك في خطوة حاسمة ضمن سلسلة تعديلات وزارية واسعة النطاق دعا إليها الرئيس فولوديمير زيلينسكي لترتيب البيت الداخلي.
يأتي كوريتسكي، رجل الأعمال والمدير التنفيذي البارز الذي قاد مجموعة "نافتوغاز" للطاقة بنجاح منذ مايو 2025، ليتولى المسؤولية في وقت تواجه فيه الدولة تحديات جيوسياسية وعسكرية غير مسبوقة، مما يضع على عاتقه مهمة معقدة لإعادة صياغة السياسات الحكومية في هذه المرحلة الحرجة.

غضب شعبي واحتجاجات واسعة بسبب رحيل "فيدوروف"
بالتوازي مع التغييرات السياسية، شهدت العاصمة كييف ومدن كبرى أخرى مثل لفيف وأوديسا ودنيبرو تجمعات حاشدة، حيث خرج أكثر من ألف متظاهر يهتفون بعبارات التنديد ضد استقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف، الذي نجح في بناء شعبية جارفة خلال فترة وجيزة.
يعتبر المحتجون أن رحيل فيدوروف ليس مجرد تغيير إداري روتيني، بل هو حلقة في صراع داخلي خفي بينه وبين القائد العام للقوات المسلحة أولكسندر سيرسكي، وهو ما أثار مخاوف حقيقية من إمكانية انعكاس هذه التوترات سلباً على تماسك الجيش الأوكراني في الميدان.
أزمة الثقة داخل المؤسسة العسكرية الأوكرانية
لم يتوقف تأثير الاستقالات عند المستوى السياسي، بل امتد ليتغلغل في هيكل القيادة العسكرية، حيث أعلن نائب قائد القوات الجوية، بافلو يليزاروف، استقالته رسمياً احتجاجاً على إقالة فيدوروف، مصرحاً بأن العمل مع وزير الدفاع كان شرفاً، وأن هدفه كان النصر وليس التظاهر بالإنجازات.
يأتي هذا الانهيار في صفوف القيادة في توقيت شديد الحساسية، خاصة أن أوكرانيا كانت تعيش حالة من الزخم الميداني بعد نجاحها في إبطاء وتيرة التقدم الروسي وشن عمليات نوعية باستخدام المسيرات بعيدة المدى، مما يجعل "حالة عدم اليقين" الناجمة عن هذه التغييرات تهديداً مباشراً للمكتسبات العسكرية الأخيرة.
تحديات الحكومة الجديدة في ظل الحرب
يواجه سيرغي كوريتسكي وفريقه الحكومي الجديد تحديات مضاعفة، تتمثل في ضرورة استعادة الثقة الشعبية بعد التوترات التي أحدثها التعديل الوزاري، والعمل على التوفيق بين متطلبات الجبهات العسكرية والضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب المستمرة لأكثر من أربع سنوات.
على الرغم من عدم تقديم أسباب رسمية واضحة لإقالة رئيسة الوزراء السابقة أو وزير الدفاع، فإن التوقعات تشير إلى أن زيلينسكي يسعى لضخ دماء جديدة وتوحيد صفوف القيادة، إلا أن ردود الفعل في الشارع والجيش تشير إلى أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود أمام القيادة الجديدة.
مستقبل أوكرانيا بين الإصلاح العسكري والاستقرار السياسي
تمثل هذه التغييرات في القيادة الأوكرانية اختباراً حقيقياً لقدرة النظام السياسي على تجاوز الأزمات الداخلية دون المساس بفعالية المجهود الحربي، حيث يبقى التساؤل حول مدى قدرة كوريتسكي على إثبات كفاءته في العمل السياسي بعد نجاحه كمدير تنفيذي في قطاع الطاقة.
في الوقت ذاته، تظل العيون شاخصة نحو الجبهات، حيث يأمل الأوكرانيون أن تؤدي هذه التغييرات إلى تحسين الأداء الإداري والعسكري، بدلاً من أن تصبح سبباً في مزيد من التفكك، خاصة أن استمرار الاحتجاجات قد يضغط على الرئيس زيلينسكي لإعادة النظر في هيكلة التغييرات الحالية.
إن المرحلة المقبلة ستكشف بوضوح ما إذا كانت هذه "النفضة" الوزارية ستُعيد أوكرانيا إلى مسار القوة والتصدي، أم أنها ستفتح باباً لصراع طويل من أجل السلطة، في وقت تتطلع فيه الأمة إلى توحيد الكلمة والصف لمواجهة التحديات الخارجية الوجودية.