ads
الأربعاء 22 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

دراسة علمية: الاحتباس الحراري يزيد احتمالات موجات الحر الليلية 100 مرة

المناخ وارتفاع الحرارة
المناخ وارتفاع الحرارة

كشفت دراسة علمية أجراها باحثون من جامعة ماينوث الأيرلندية، بالتعاون مع علماء المناخ في هيئة الأرصاد الجوية الأيرلندية وشبكة إسناد الطقس العالمي، أن درجات الحرارة القياسية التي شهدتها أوروبا خلال الأشهر الأخيرة لم تكن لتحدث بهذا الشكل لولا التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، في تأكيد جديد على التأثير المتزايد للاحتباس الحراري في زيادة الظواهر الجوية المتطرفة.

وأوضحت الدراسة أن موجات الحر التي حطمت العديد من الأرقام القياسية أصبحت أكثر احتمالًا وشدة نتيجة الارتفاع المستمر في درجات حرارة الأرض، وهو ما يفرض ضرورة تسريع إجراءات خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز خطط التكيف مع التغيرات المناخية.

درجات حرارة غير مسبوقة في وقت مبكر من العام

قالت الدكتورة كلير بيرجين، الباحثة بجامعة ماينوث، إن العالم بدأ يشهد ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة خلال فترات مبكرة من العام، مؤكدة أن تسجيل أرقام قياسية خلال شهر مايو لم يكن ممكنًا في غياب الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

وأضافت أن تحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ يتطلب تحركًا عاجلًا لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، إلى جانب الاستثمار في إجراءات التكيف مع آثار الظواهر المناخية المتطرفة التي أصبحت أكثر تكرارًا وحدة.

كيف أثبت العلماء تأثير تغير المناخ؟

اعتمد الباحثون على ما يعرف بـ"دراسات الإسناد المناخي"، وهي منهجية علمية تستخدم نماذج مناخية متطورة لمقارنة الظروف المناخية الحالية بعالم افتراضي أكثر برودة، بهدف قياس حجم التأثير الذي أحدثه تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري.

وأجرى الفريق العلمي محاكاة لدرجات الحرارة القصوى نهارًا والصغرى ليلًا خلال موجات حر استمرت ثلاثة أيام، ثم قارن النتائج بين المناخ الحالي، الذي ارتفعت حرارته بنحو 1.4 درجة مئوية بسبب الأنشطة البشرية، وسيناريوهات مناخية أكثر برودة.

مقارنة مع موجات الحر التاريخية

اختار الباحثون عامي 1976 و2003 للمقارنة، باعتبارهما من أكثر الأعوام التي شهدت موجات حر مدمرة في أوروبا، وأسفرت حينها عن آلاف الوفيات وخسائر واسعة.

وأظهرت نتائج الدراسة أنه لو تعرضت أوروبا لنفس الظروف الجوية الحالية خلال عام 1976، لكانت درجات الحرارة أقل بنحو 3.5 درجة مئوية، بينما كانت أقل بنحو درجتين مئويتين في حال حدوثها عام 2003، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثه الاحترار العالمي خلال العقود الأخيرة.

الليالي الحارة أصبحت أكثر خطورة

أكدت الدراسة أن درجات الحرارة المرتفعة ليلًا أصبحت تمثل أحد أخطر مظاهر تغير المناخ، نظرًا لأنها تقلل قدرة الجسم على التعافي من حرارة النهار، وترفع مخاطر الإصابة بالإجهاد الحراري والمضاعفات الصحية.

وأشار الباحثون إلى أن الليالي الحارة التي شهدتها أوروبا مؤخرًا أصبحت أكثر احتمالًا بنحو 100 مرة مقارنة بما كانت عليه خلال موجة الحر الشهيرة في عام 2003، وهو تغير كبير يعكس تسارع تأثيرات الاحتباس الحراري.

زيادة كبيرة في احتمالات موجات الحر

لم يقتصر تأثير تغير المناخ على درجات الحرارة الليلية فقط، بل أظهرت الدراسة أن موجات الحر النهارية أصبحت أكثر احتمالًا بنحو عشرة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل عقود.

ويرى العلماء أن هذا الارتفاع الكبير في احتمالات حدوث موجات الحر يؤكد أن التغير المناخي لم يعد مجرد عامل مساعد، بل أصبح عنصرًا رئيسيًا في تشكيل الظواهر المناخية المتطرفة حول العالم.

الأنشطة البشرية في صدارة الأسباب

ربط الخبراء بشكل مباشر بين الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية، مثل حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات، وبين ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي، مؤكدين أن هذه الانبعاثات وفرت الظروف المثالية لحدوث موجات الحر القياسية.

وأوضح الباحثون أن تراكم الغازات الدفيئة أدى إلى احتجاز مزيد من الحرارة داخل الغلاف الجوي، ما جعل موجات الحر الحالية أكثر شدة واستمرارًا مقارنة بالماضي.

تداعيات صحية واقتصادية متزايدة

يحذر العلماء من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة ستكون له آثار واسعة على الصحة العامة، خاصة مع زيادة مخاطر ضربات الشمس والجفاف وأمراض القلب والجهاز التنفسي، فضلًا عن ارتفاع معدلات الوفيات بين كبار السن والفئات الأكثر هشاشة.

كما تمتد التداعيات إلى الاقتصاد والزراعة والطاقة، حيث تؤدي موجات الحر إلى انخفاض الإنتاج الزراعي، وزيادة استهلاك الكهرباء، وارتفاع تكاليف التبريد، فضلًا عن التأثير في البنية التحتية وشبكات النقل.

دعوات عاجلة للتحرك المناخي

شددت الدراسة على أن الحد من الانبعاثات الكربونية يمثل الخيار الأكثر فاعلية للحد من تفاقم موجات الحر مستقبلًا، مع ضرورة التوسع في خطط التكيف، مثل تطوير نظم الإنذار المبكر، وتحسين تصميم المدن، وزيادة المساحات الخضراء.

وأكد الباحثون أن مواجهة تغير المناخ تتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا، وتنفيذ التزامات اتفاق باريس، لتقليل مخاطر الظواهر المناخية المتطرفة التي أصبحت أكثر تكرارًا وتأثيرًا على حياة البشر.

مستقبل أكثر حرارة إذا استمرت الانبعاثات

خلصت الدراسة إلى أن العالم سيواجه موجات حر أشد قسوة وأكثر تكرارًا إذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالمعدلات الحالية، محذرة من أن السنوات المقبلة قد تشهد تحطيم المزيد من الأرقام القياسية في درجات الحرارة.

ويرى العلماء أن الإجراءات التي تتخذها الحكومات اليوم ستحدد شكل المناخ خلال العقود المقبلة، مؤكدين أن خفض الانبعاثات والاستثمار في التكيف المناخي لم يعد خيارًا، بل ضرورة لحماية الإنسان والاقتصاد والبيئة.

تم نسخ الرابط