الأحد 19 مايو 2024
-
رئيس التحرير
محمد الطوخي

علي الرغم من الطفرة الهائلة التي أحدثتها مواقع التواصل الاجتماعي في العلاقات الإنسانية، والنقلة النوعية التي شهدتها البشرية، وامتداد أواصر التواصل الحضاري والثقافي والاقتصادي بين الأفراد والشعوب في ربوع الكرة الأرضية، وفي ظل المكانة الكبيرة التي اكتسبتها هذه المواقع لخدماتها المتعددة والفائقة التي أتاحتها لملايين البشر علي السوية ؛ إلا أن واقع الحال في البيئة الرقمية، وسبل التواصل والتفاعل عبر هذه المواقع، وسوء استخدام البعض لأدواتها أفرز العديد من الظواهر السلبية التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم، وأضحت في حاجة ماسة لتسليط الضوء عليها، والتعمق في دراستها قبل أن يستفحل خطرها، وتلقي بظلالها القاتمة علي النسيج المجتمعي الذي أوشك أن يتآكل، وكاد أن يصيبه العطب.
ومن بين ثنايا هذه الظواهر تبرز ظاهرة خطيرة تفت في عضد المجتمع، وتحدث الفتنة والوقيعة بين أفراده، وتؤثر بالسلب علي الشخصيات الرائدة  والقدوات الصالحة في المجالات المختلفة، وتعود بالسلب علي النشء الصغير الذي يقتفي أثر هؤلاء، ويسير علي دربهم، ويتخذهم أسوة ونموذجا يحتذي؛ هذه الظاهرة تتركز في " الخوض في أعراض العلماء والنابغين والموهوبين، وإبداء وجهة النظر فيما ينشر عنهم دون علم، وبأسلوب تكسوه الغلظة يمتطي صاحبه جواد السب والقذف والسخرية والاستهزاء"
وتزداد هذه الظاهرة خطورة عندما يتهافت السواد الأعظم من المستخدمين علي نشر هذه الأخبار، وتداولها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وإبداء رأيه فيها  دون التحقق من مصادرها، ودون معرفة حقيقية بمدي دقة أو صحة المعلومات الواردة فيها، والخوض في تأويلها وتفسيرها علي غير حقيقتها، أو بترها عن سياقها التي رودت فيه ليراها الجمهور علي غير حقيقتها، أو تزييف حقيقتها، والتلاعب بمكوناتها  محدثة تغييرا في اتجاهات الجمهور ومواقفهم نحوها، مغيرة للصورة الذهنية الصحيحة والصادقة التي كونها الجمهور عن هذه القامات والقدوات لسنوات طوال ؛ لتصبح صورة قاتمة تنتشر بين الجميع رغم عدم دقتها، وربما زيفها وكذبها.
ولا تقتصر هذه الآفة علي استهداف المرموقين والناجحين بين شريحة أو فئة معينة، أو قطاع محدد، وإنما طالت نيرانها أصحاب العلم والفكر الأدبي والعلمي، وأهل التفوق الرياضي، ورواد التميز الاقتصادي، وشيوخ وقامات العلم الشرعي، وحاملي لواء الإبداع الفني.
فبعد لحظات من انتشار خبر من الأخبار_ صدق ناقله وناشره أم كذب_ تخوض فيه الألسنة بالنقد اللازع الذي لا ينفك أن يكون ممزوجا ببعض الأحكام المجحفة، والكلمات القادحة، والتعليقات المازحة، وأحيانا تلوكه الألسنة بالألفاظ النابية، والكلمات الجارحة.
وهذه الظاهرة لا يقف خطرها عند هدم القدوات، والتأثير علي حياتهم الشخصية ومكانتهم المجتمعية ؛ وإنما يمتد هذا التأثير ليحدث شرخا في العلاقة بينهم وبين محبيهم، وخللا في  الغرس القيمي والتماسك المجتمعي الذي يعتمد علي نموذج القدوة في حياة الجماهير.
إن استفحال هذه الظاهرة يستوجب أن نسلط الضوء عليها، ونبحث عن أسباب انتشارها، وسبل الوقاية منها، والحد من آثارها ليعود الجمهور إلي مكوناته الثقافية والقيمية والأخلاقية التي تربي عليها، وترعرع في حدائقها يتحري الحقيقة، ويعبر عن رأيه بعيدا عن التجني علي الغير، وإلصاق التهمة به دون بينة أو دليل،  نائيا عن الإسفاف والابتذال، والخوض في أعراض الناس علي غير بينة، مترفعا عن الحط من قدرهم بلا سند من حجة أو برهان.
وليدرك كل منا أن حقه في التعبير عن رأيه، وإبداء وجهة نظره، ونشره للمحتوي الرقمي، وطرح ما يجول بخاطره تجاه الآخر عبر الواقع الافتراضي لابد أن يكون وفق أسس وضوابط قوامها تحري الحقائق والدقة، ومراعاة حقوق الغير وكرامتهم وخصوصيتهم ممتثلا للشرائع السماوية التي حثت علي هذه الفضائل والقيم المجتمعية التي توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، وفاخرت بها الدنيا بأسرها، وأخذت بأيديها إلي عري العلاقات الإنسانية الوطيدة، والتي أوشكت أن تندثر جراء غياب البعد الأخلاقي، وآفات التطور التقني الذي أتاح للجميع التعبير عن الرأي بلا ضابط أو قيد في ظل تعدد منصات النشر الإلكتروني، وضخامة البيانات والمعلومات، وانتشار فيض هائل من الأكاذيب، والشائعات، والأخبار المضللة التي ألقت بظلالها القاتمة علي الأفراد والشعوب، وتركت جرحا لا يندمل، وهوة سحيقة وقع في غياهبها الكثير والكثير.
ونحن هنا نسلط الضوء علي هذه الظاهرة، ونضع أيدينا علي موطن الداء قبل أن يستشري في أعضاء الجسد ، ويجري في شرايينه مجري الدم؛ فيقطع أوصاله، ويفتك بأركانه وحينئذ لن يجدي البكاء علي اللبن المسكوب.

تم نسخ الرابط