الخميس 25 يوليو 2024
-
رئيس التحرير
محمد الطوخي

إعادة الإجراءات أمام محكمة الجنايات المستأنفة مقال للمستشار د. محمد العواني

المستشار د. محمد
المستشار د. محمد سامي العواني نائب رئيس محكمة النقض

نشرت المجلة الدولية  للفقه والقضاء والتشريع، في المجلد الخامس والعدد 2، 2024، مقالا للمستشار دكتور محمد سامي العواني نائب رئيس محكمة النقض، حول إعادة الإجراءات أمام محكمة الجنايات المستأنفة في ظل القانون رقم (1) لسنة 2024.

يقول المستشار دكتور محمد العواني نائب رئيس محكمة النقض، أنه صدر القانون رقم (1) لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية ؛ التزاما بالمادتين رقمي 96 ، 240 من الدستور المصري، وبمقتضى أحكام القانون المشار إليه جاز لخصوم الدعويين الجنائية أو المدنية التابعة الطعن بالاستئناف على حكم محكمة جنايات أول درجة لإعادة النظر في موضوع الدعوى، هذا وبالنظر إلى أهمية الأحكام الغيابية في مواد الجنايات، وطبيعتها الخاصة؛ فقد تناول المقال العديد من الفروض العملية ، وخلص إلى العديد من النتائج على النحو التالي: 

أولا - أن محاكم الجنايات المستأنفة - المستحدثة - قد تصدر أحكاما غيابية تخضع لنظام إعادة الإجراءت في الدعاوى الجنائية؛ إذا أقيم الاستئناف من النيابة العامة. 

ثانيا- تتباين المحكمة المختصة بنظر إعادة الإجراءات، سواء محكمة جنايات أول درجة أم محكمة الجنايات المستأنفة، بالنظر إلى مدى استنفاد محكمة جنايات أول درجة ولايتها بالفصل في موضوع الدعوى من عدمه، في ضوء ما إذا كان الحكم الصادر من محكمة أول درجة بالبراءة أم بالإدانة، غيابيا أم حضوريا. 

ثالثا- تخضع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة في الدعوى المدنية التابعة استقلالا ؛ لأحكام السقوط وإعادة الإجراءات.

 رابعاً- أخضع المشرع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة إلى حكم سقوط العقوبة، بخلاف الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة فقد أخضعها إلى حكم سقوط الدعوى ؛ ومن ثم لا يمكن أن تصير الأحكام الصادرة بالإدانة من المحاكم الأخيرة باتة.

صدر القانون رقم (۱) لسنة ۲۰۲٤ بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية (۱)؛ التزاما بالمادتين رقمي ٩٦، ٢٤٠ من الدستور المصري، بأن توفر الدولة الإمكانيات المادية والبشرية المتعلقة باستئناف الأحكام الصادرة في الجنايات، وذلك خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور، وبمقتضى أحكام القانون المشار إليه جاز لخصوم الدعويين الجنائية أو المدنية التابعة الطعن بالاستئناف على حكم محكمة جنايات أول درجة الإعادة النظر في موضوع الدعوى ؛ وإصلاح الأخطاء القضائية ، من حيث الواقع أو القانون؛ وصولا إلى إلغاء حكم محكمة جنايات أول درجة أو تعديله (۲)؛ فيتحقق بذلك مبدأ التقاضي على درجتين (۳)؛ وذلك لحسن سير العدالة (٤)، لاسيما في ظل بعض الأخطاء القضائية الموضوعية التي لا يمكن إصلاحها من خلال الطعن بالنقض بسبب عدم قبول المناعي الموجهه لقضاء الحكم المتصلة بالجدل الموضوعي، أو التي تتطلب تحقيق يتنافى مع

وظيفة محكمة النقض .

هذا وبالنظر إلى أهمية الأحكام الغيابية في مواد الجنايات وطبيعتها الخاصة؛ إذ وفقا لما جرى عليه نص المادة رقم ۳۹۳ من قانون الإجراءات الجنائية، ينفذ منها ما يمكن تنفيذه من العقوبات المحكوم بها مثل الغرامات، والرد، فضلا عن التضمينات المحكوم بها، هذا إلى أنها تستتبع حتما - وبقوة القانون - وفقا لنص المادة ٣٩٠ من قانون الإجراءات الجنائية عدم أهلية المحكوم عليه للتقاضي أمام المحاكم سواء بصفته مدعيا أو مدعى عليه، ويحرم من حق إدارة أملاكه أو التصرف فيها، وتعين المحكمة الواقع في دائرتها أموال المحكوم عليه حارسا لإدارتها بناء على طلب النيابة العامة أو كل ذي مصلحة، بيد أنه في مجال العقوبات السالبة للحرية، أو الإعدام فلا يسوغ تنفيذها إلا بمقتضى حكم حضوري، وقد جعلت المادة رقم ٣٩٥ من قانون الإجرءات الجنائية من القبض على المحكوم عليه أو حضوره بشخصه أو بوكيله الخاص مؤديا لإعادة إجراءت المحاكمة مع سقوط الحكم الغيابي سواء فيما يتعلق بالعقوبة أو بالتضمينات إلا بحضور من صدر ضده جلسات المحاكمة ، أما إذا تخلف عن حضور الجلسة المحددة لإعادة نظر دعواه ظل الحكم ضده قائما على نحو ما فصلته تلك المادة (٢).

والأسئلة المطروحة في هذا المقال، بشأن موقف الأحكام الصادرة في مواد الجنايات من محاكم الجنايات المستأنفة المستحدثة بأحكام القانون (۱) لسنة ۲۰۲٤ ، وهل يتصور أن تصدر أحكاما غيابية في مواد الجنايات تقبل إعادة الإجراءات وما هي الأحوال التي يتصور فيها تطبيق إعادة الإجراءات، وهل يختلف الأمر إذا كان

الحكم صادر استقلالا في الدعاوى المدنية التابعة ، وما هي المحكمة المختصة بالفصل في إعادة الإجراءات من بين محاكم الجنايات بدرجتيها، هل الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة تخضع لحكم سقوط العقوبة أم تقادم الدعوى، وهل الأحكام الغيابية الصادرة بالإدانة من محكمة الجنايات المستأنفة يمكن أن تصير باتة، كمثيلتها الصادرة من محاكم جنايات أول درجة.

أولاً: الأحكام الغيابية أمام محاكم الجنايات المستأنفة

بالنظر إلى خطة المشرع في القانون رقم (۱) لسنة ۲۰۲٤ نجد أنه بمقتضى مادته الثالثة أضاف إلى الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون الإجراءات الجنائية فصل ثاني بعنوان ( في استئناف مواد الجنايات حيث أجاز للمتهم الطعن في الأحكام الصادرة من محكمة جنايات أول درجة إذا كانت حضورية فحسب، في حين منح النيابة العامة الحق في استئناف الأحكام الحضورية أو الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة، كما أجاز للمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها استئناف الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة سواء الحضورية أم الغيابية ) ، بشرط أن تكون قيمة التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي تحكم فيه المحكمة الابتدائية نهائيا ) ، وعليه فإن المشرع أجاز استئناف أحكام محاكم جنايات أول درجة بالنسبة للدعويين الجنائية والمدينة ، وإن اختلفت شروط الاستئناف وآثاره ونطاقه حسب الخصم المستأنف ووصف الحكم.

ولما كانت المادة رقم ۳۷۳ من قانون الإجراءات الجنائية (١٠) نصت على أن يتبع في الدعاوى التي تنظرها محكمة الجنايات المستأنفة كافة الأحكام والأوضاع المقررة أمام محكمة جنايات الدرجة الأولى)) وكان هذا النص بما تضمنه من ألفاظ واضحة الدلالة على أن إرادة المشرع اتجهت إلى سريان كافة الأحكام الإجرائية ومن بينها - يقينا - إعادة إجراءات المحاكمة في الأحكام الغيابية أمام محكمة الجنايات المستأنفة، أسوة بالأحكام بمحكمة جنايات أول درجة، إلا أنه ينبغي ملاحظة فارق جوهري بين طبيعة الأحكام الصادرة من محكمتي الجنايات بدرجتيها وضعها المشرع في القانون رقم (1) لسنة ۲۰۲٤؛ وهي أن الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة، بناء على استئناف المتهم؛ تكون دائما حضورية (١١)؛ إذ تلتزم المحكمة الأخيرة وفقا لنص الفقرة الثانية من المادة رقم ٤١٩ مكرر / ٩ إجراءات جنائية في حالة تخلف المتهم بغير عذر عن الحضور

الحكم صادر استقلالا في الدعاوى المدنية التابعة ، وما هي المحكمة المختصة بالفصل في إعادة الإجراءات من بين محاكم الجنايات بدرجتيها، هل الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة تخضع لحكم سقوط العقوبة أم تقادم الدعوى، وهل الأحكام الغيابية الصادرة بالإدانة من محكمة الجنايات المستأنفة يمكن أن تصير باتة، كمثيلتها الصادرة من محاكم جنايات أول درجة.

الأحكام الغيابية أمام محاكم الجنايات المستأنفة

بالنظر إلى خطة المشرع في القانون رقم (۱) لسنة ۲۰۲٤ نجد أنه بمقتضى مادته الثالثة أضاف إلى الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون الإجراءات الجنائية فصل ثاني بعنوان ( في استئناف مواد الجنايات حيث أجاز للمتهم الطعن في الأحكام الصادرة من محكمة جنايات أول درجة إذا كانت حضورية فحسب، في حين منح النيابة العامة الحق في استئناف الأحكام الحضورية أو الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة، كما أجاز للمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها استئناف الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة سواء الحضورية أم الغيابية ) ، بشرط أن تكون قيمة التعويضات المطلوبة تزيد على النصاب الذي تحكم فيه المحكمة الابتدائية نهائيا ) ، وعليه فإن المشرع أجاز استئناف أحكام محاكم جنايات أول درجة بالنسبة للدعويين الجنائية والمدينة ، وإن اختلفت شروط الاستئناف وآثاره ونطاقه حسب الخصم المستأنف ووصف الحكم.

ولما كانت المادة رقم ۳۷۳ من قانون الإجراءات الجنائية (١٠) نصت على أن يتبع في الدعاوى التي تنظرها محكمة الجنايات المستأنفة كافة الأحكام والأوضاع المقررة أمام محكمة جنايات الدرجة الأولى)) وكان هذا النص بما تضمنه من ألفاظ واضحة الدلالة على أن إرادة المشرع اتجهت إلى سريان كافة الأحكام الإجرائية ومن بينها - يقينا - إعادة إجراءات المحاكمة في الأحكام الغيابية أمام محكمة الجنايات المستأنفة، أسوة بالأحكام بمحكمة جنايات أول درجة، إلا أنه ينبغي ملاحظة فارق جوهري بين طبيعة الأحكام الصادرة من محكمتي الجنايات بدرجتيها وضعها المشرع في القانون رقم (1) لسنة ۲۰۲٤؛ وهي أن الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة، بناء على استئناف المتهم؛ تكون دائما حضورية (١١)؛ إذ تلتزم المحكمة الأخيرة وفقا لنص الفقرة الثانية من المادة رقم ٤١٩ مكرر / ٩ إجراءات جنائية في حالة تخلف المتهم بغير عذر عن الحضور تندب له محام، ومن ثم لا يتصور صدور أحكام غيابية بناء على استئناف المتهم (۱۲) ، أما إذا كانت النيابة العامة، هي الخصم المستأنف؛ فيتصور صدور أحكام غيابية بناء على استئنافها.

واتساقا مع هذا النظر لم يتضمن القانون رقم (1) لسنة ۲۰۲٤ تعديلات جوهرية على أحكام الفصل الثالث من الكتاب الثاني في شأن الإجراءات التي تتبع في مواد الجنايات في حق المتهمين الغائبين، مقتصرا على تعديلات غايتها تحديد محكمة الجنايات المعنية بالمواد الواردة بهذا الفصل، بعد أن بات التقاضي أمام محاكم الجنايات على درجتين؛ فاستبدلت المادة الأولى من القانون المار ذكره عبارة: محكمة جنايات أول درجة بعبارة ((محكمة الجنايات الواردة في المواد ٣٨٤ ، ۳۹٤ ، ۳۹۷ ، ولم يجر أي تعديل على المواد أرقام ۳۹۰، ۳۹۱، ۳۹۲، ۳۹۵ ،۳۹۳

ومن جماع ما تقدم نخلص أن محاكم الجنايات المستأنفة قد تصدر أحكاما غيابية تخضع لنظام إعادة الإجراءت ونعرص فيما يلي لأحوال إعادة الإجراءات أمام محاكم الجنايات المستأنفة سواء في الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية، ثم نتبعها بالأحكام الصادرة في الدعوى المدنية التابعة.

ثانياً: أحوال إعادة الإجراءات في الأحكام الغيابية الصادرة من محاكم الجنايات المستأنفة في الدعوى الجنائية.

أوضحنا فيما سلف أنه لا يتصور صدور أحكام غيابية بالإدانة من محكمة الجنايات المستأنفة لو الاستئناف مقام من المتهم، بيد أن ذلك متصور في حالة الاستئناف مقدم من النيابة العامة (١٣).

ومن المستقر عليه أن استئناف النيابة العامة لا يخصص بسببه (١٤) ، إنما ينقل الدعوى برمتها إلى محكمة الجنايات المستأنفة لمصلحة أطراف الدعوى الجنائية جميعا، فتفصل فيه المحكمة؛ بما يخولها النظر من جميع نواحيها، غير مقيدة في ذلك بما تضعه النيابة في تقرير استئنافها، أو تبديه في الجلسة من طلبات (١٥)، فإذا لم يحضر المتهم أمام محكمة الجنايات المستأنفة رغم إعلانه يحكم في غيبته (١٦) ، فإذا صدر ضده حكم غيابي بالإدانة سواء بإلغاء البراءة، أو بتأييد أو تعديل العقوبة المقضي بها بموجب حكم محكمة جنايات أول درجة، يكون هذا الحكم الغيابي الاستئنافي قابلا لإعادة الإجراءات، بحيث يترتب على حضور المحكوم عليه بنفسه أو بوكيله الخاص، أو القبض عليه؛ سقوطه؛ وما قضى به من عقوبات ، وتتم إعادة الإجراءات.

وتثار في هذا المقام إشكالية حول المحكمة التي تختص بإعادة الإجراءات هل هي محكمة جنايات أول درجة، أم محكمة الجنايات المستأنفة.

بالرجوع للأصول العامة في طرق الطعن في الأحكام الجنائية نجد أنه يشترط في الأحكام الجائز استئنافها أن تكون فاصلة في الموضوع بموجب قضاء استنفدت به محكمة أول درجة ولايتها، أما في حالة عدم استنفاد محكمة أول درجة ولايتها بالحكم في موضوع الدعوى، فلا يسوغ للمحكمة الاستئنافية التصدي لها، وإلا كان حكمها باطلا (۱۷)، لذلك فإن الإجابة على هذه الإشكالية تقتضي الوقوف عما إذا كانت محكمة جنايات أول درجة قد استنفدت ولايتها بحكمها - المطعون عليه بالاستئناف - سواء بالبراءة أو الإدانة، وهو ما سوف نسعى إلى معالجته من خلال التعرض للفروض التالية.

أول هذه الفروض التي قد تثار؛ هي حالة صدور حكم محكمة جنايات أول درجة بالبراءة؛ فهو حكم قطعي، وليس مجرد حكم تهديدي، ولو كان غيابيا ؛ ذلك أن المادة رقم ٣٩٥ من قانون الإجراءات الجنائية قد جعلت سقوط الحكم الغيابي رهنا بالقضاء بالإدانة بعقوبة جنائية، والتضمينات ومن ثم فلا محل لإعادة الإجراءات في حالة الحكم بالبراءة (١٨) ، وترتيبا على ذلك تكون محكمة جنايات أول درجة بحكمها الصادر بالبراءة ولو غيابيا؛ قد استنفدت ولايتها بنظر الدعوى، فإذا استأنفت النيابة العامة هذا الحكم الأخير، ثم صدر حكم محكمة الجنايات المستأنفة غيابيا بالإدانة بناء على هذا الاستئناف، فإن هذا الحكم الأخير يكون قابلا لإعادة الإجراءات أمام محكمة الجنايات المستأنفة.

أما في الحالة الثانية إذا كانت محكمة جنايات أول درجة أصدرت حكمها بالإدانة، فيتعين التفرقة بين وضعين أولهما - صدور حكم الإدانة حضوريا؛ ففي هذه الحالة تكون محكمة جنايات أول درجة قد استنفدت ولايتها بالفصل في الدعوى، فلو استأنفت النيابة العامة هذا الحكم الحضوري بالإدانة، ولم يستأنفه المتهم، ولم يحضر بجلسة نظر الاستئناف، ثم صدر حكما غيابيا من محكمة ثان درجة بالإدانة في حقه، حتما سيكون  هذا الحكم قابلا لإعادة الإجراءات أمام محكمة ثان درجة ليس أمام محكمة أول درجة ؛ لأن الأخيرة تكون قد استنفدت ولايتها بنظر الدعوى بحكمها الحضوري الصادر بالإدانة، والمطعون عليه بالاستئناف.

أما الوضع الثاني في حالة ما إذا كانت محكمة جنايات أول درجة قد أصدرت حكمها غيابيا بالإدانة، ثم طعنت عليه النيابة العامة بالاستئناف، فتكون محكمة أول درجة لم تستنفد ولايتها بالفصل في الدعوى؛ لأن حكمها ولو طعن عليه بالاستئناف من النيابة العامة، بيد أنه قد صدر غيابيا في حق المتهم، ولذلك يظل قابلا لإعادة الإجراءات أمامها ؛ حتى لا يحرم المتهم من درجة من درجات التقاضي (١٩).

ولا يسوغ القول في هذا المقام أن محكمة الجنايات المستأنفة تلتزم بعدم الفصل في الاستئناف المقام من النيابة العامة، بدعوى أن الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة قابلا لإعادة الإجراءات، قياسا على ما هو مقرر قانونا من أن محكمة الجنح المستأنفة يجب عليها أن توقف الفصل في استئناف النيابة العامة في الأحكام الصادرة غيابيا من المحكمة الجزئية في الجنح، طالما كان الطعن فيها بطريق المعارضة جائز من المتهم (٢٠)، ذلك لأن المعارضة هي طريق طعن في الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنح، تعرض بمقتضاه الدعوى على المحكمة التي أصدرت الحكم في غيبة المتهم، لكن هذا الحكم الأخير لا يسقط بحضور المتهم، بل يكون له الحق أن يعارض فيه، أو يقبله، بأن يفوت على نفسه ميعاد التقرير بالمعارضة دون أن يرفعها، أما الأحكام الغيابية بالإدانة الصادرة في جناية مقدمة إلى محكمة جنايات أول درجة؛ فلا يتوقف أمرها على إرادة المتهم، فهي لا تقبل الطعن بالمعارضة، بل تسقط بقوة القانون بمجرد حضور المحكوم عليه بشخصه أو بوكيله الخاص، أو القبض عليه وحضور جلسات المحاكمة، وتعاد محاكمته بعد ذلك وفقا لنص المادة رقم ٣٩٥ من قانون الإجراءات الجنائية، فلا مجال لقياس سقوط الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنايات، على الطعن بالمعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة في مواد الجنح (۲۱). ومن ثم أرى أن محكمة الجنايات المستأنفة تلتزم بالفصل في استئناف النيابة العامة على الحكم الغيابي الصادر من محكمة جنايات أول درجة، طالما لم يتم إعادة الإجراءات فيه، بل إن تقصى الأمر الأخير يبدو حتميا على محكمة الجنايات المستأنفة قبل الفصل في شكل الاستئناف (۳۲)؛ فلابد أن تتيقن من أن الحكم الغيابي الصادر من محكمة جنايات أول درجة والمطعون فيه بالاستئناف ما زال قائما، لم يسقط (۳۳)، لأنه بفرض أنه قد اتخذت بشأنه إعادة الإجراءات ؛ سيترتب عليه لزوما أن يصبح هذا الحكم كأن لم يكن، مما يجعل الطعن فيه بالاستئناف المقدم من النيابة العامة غير ذي موضوع فيكون لزاما على محكمة الجنايات المستأنفة أن تقضي بسقوط الاستئناف (٢٤). أما إذا كان الحكم الغيابي الصادر من محكمة جنايات أول درجة لم يزل قائما ، وكانت المادة رقم ٤١٩ مكرر ۲ من قانون الإجراءات الجنائية (٢٥) قد أجازت للنيابة العامة فيما يختص بالدعوى الجنائية الطعن بطريق الاستئناف في الحكم الصادر من محكمة جنايات أول درجة في غيبة المتهم بجناية؛ فإن طعنها يكون جائزاً (٢٦)، ويكون على محكمة الجنايات المستأنفة أن تمضى في نظر شكل الاستئناف، ثم موضوعه بحكم سيكون حتما غيابيا (۳۷)؛ وسيخضع لو صدر بالإدانة؛ لإعادة الإجراءات أمام محكمة جنايات أول درجة التي لن تكون قد استنفدت ولايتها بالفصل في موضوع الدعوى كما بينا سلفا في هذا المقال.

في الدعوى المدنية التابعة

أباحت المادة رقم ٤١٩ مكرر (۱) من قانون الإجراءات الجنائية المضافة بالقانون رقم (1) لسنة ٢٠٢٤ لخصوم الدعوى المدنية سواء المدعي بالحقوق المدنية أم المسئول عنها الطعن بالاستئناف في أحكام محكمة جنايات أول درجة، إذا كانت التعويضات المطلوبة تزيد عن النصاب الذي تحكم فيه المحكمة الابتدائية نهائيا أي يجاوز مائة ألف جنيه (۲۸).

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، أنه بفرض أن محكمة محكمة جنايات أول درجة أصدرت حكم غيابي بالبراءة ورفض الدعوى المدنية، ولم تستأنف النيابة العامة الحكم الصادر بالبراءة، في حين استأنف المدعي المدني الحكم في شقه المدني برفض دعواه المدنية التابعة، ونظرت محكمة الجنايات المستأنفة هذا الاستئناف ولم يمثل المتهم بوصفه مدعى عليه أو المسئول المدني أمام المحكمة الأخيرة، فقبلت محكمة الجنايات المستأنفة الطعن بالاستئناف، وقضت في موضوعه غيابيا بالالزام بالتعويض، فهل يمكن خضوع هذا الحكم الصادر في الدعوى المدنية التابعة الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة استقلالا ؛ لأحكام السقوط وإعادة الإجراءات وفقا لنص المادة رقم ٣٩٥ من قانون الإجراءات الجنائية.

يبدو الأمر لأول وهلة شاذا وغير متصور، لكن مع التدقيق نجد جواز ذلك للأسباب التالية: أولا ما جرى عليه نص المادة رقم ٢٦٦ من قانون الإجراءات الجنائية من أنه يتبع في الفصل في الدعوى المدنية التي ترفع أمام المحاكم الجنائية الإجراءات المقررة بهذا القانون؛ وكان مؤدى هذا النص - على ما جرى عليه قضاء محكمة النقض - أن الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية تأخذ حكم الدعوى الجنائية في سير المحاكمة، والأحكام والطعن فيها، من حيث الإجراءات والمواعيد، ولا تخضع في شيء من ذلك لأحكام قانون المرفعات المدنية، ولو انحصرت الخصومة - بسبب عدم استئناف النيابة العامة حكم البراءة - في الدعوى المدنية وحدها بين المتهم والمدعى بالحقوق المدنية (٣٩).

ثانيا - صياغة نص المادة رقم ٣٩٥ من قانون الإجراءات الجنائية لا تستعصي على السريان في نطاق الدعوى المدنية التابعة لاسيما وأن عبارة « المحكوم عليه « تنصرف إلى المتهم المقضي بإدانته في الدعوى الجنائية، كما قد تنصرف لخصوم الدعوى المدنية سواء المدعي بالحقوق المدنية، أم المسئول عنها ، كما أن نصها يستخلص منه - وبحق - أن البطلان أو السقوط الذي يلحق بالحكم الغيابي في جناية؛ إنما يمتد لجميع أجزائه بما فيها التعويضات المحكوم بها في الدعوى المدنية التابعة (٣٠)، فلا يحول دون سقوط الحكم الغيابي فيما قضى من تعويضات في الدعوى المدنية، أن يكون الحكم صدر حضوريا بالنسبة للمدعي المدني ، أو حتى المسئول عنها؛ كما أنه في حالة أن التضمينات المقضي فيها بالحكم الغيابي قد نفذت؛ تأمر المحكمة برد المبالغ المتحصلة كلها أو بعضها. ثالثا أن المشرع ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ أجاز وفقا للفقرة الأخيرة من المادة المار ذكرها عند وفاة المحكوم عليه أن تعاد الإجراءات في شأن الدعوى المدنية استقلالا في مواجهة ورثته وذلك دون وجود دعوى جنائية منظورة (۳۱). رابعاً - إن المادة رقم ۳۹۳ من قانون الإجراءات الجنائية أجازت بشرط الكفالة تنفيذ الحكم الغيابي بالتعويض من وقت صدوره، على ألا يكون هناك محل للكفالة إذا بدأت إجراءات تنفيذ التعويض بعد مرور خمس سنوات من وقت صدور الحكم.

لما كان ما تقدم، فإنه للأسباب المار ذكرها نرى خضوع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة في الدعوى المدنية التابعة استقلالا ؛ لأحكام السقوط وإعادة الإجراءات.

ثالثاً: خضوع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة لحكم تقادم الدعوى

تقادم الدعوى الجنائية يعني مرور فترة من الزمن محددة قانونا تبدأ من تاريخ ارتكاب الجريمة دون أن يتخذ خلالها إجراء من إجراءاتها فتسقط الدعوى الجنائية، ولا يعاقب المتهم، أما سقوط العقوبة فهو مضي فترة من الزمن يحددها القانون تبدأ من تاريخ صدور الحكم البات، دون أن يتخذ خلالها إجراء لتنفيذ العقوبة المقضي بها، ولقد نصت المادة رقم ٣٩٤ من قانون الإجراءات الجنائية على أنه لا يسقط الحكم الصادر غيابياً من محكمة جنايات أول درجة في جناية بمضي المدة، وإنما تسقط العقوبة المحكوم بها، ويصبح الحكم نهائيا بسقوطها (۳۲).

فأخضع المشرع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة إلى تقادم العقوبة، وليس تقادم الدعوى، وقد أكد المشرع هذا الإتجاه بنص المادة رقم ۵۲۹ من القانون ذاته والتي جرى نصها على أن تبدأ المدة المسقطة للعقوبة من وقت صيرورة الحكم نهائياً، إلا إذا كانت العقوبة محكوماً بها غيابياً من محكمة جنايات أول درجة في جناية، تبدأ المدة من يوم صدور الحكم في هذا الاتجاه (۳۳).

والجدير بالإشارة في هذا المقام أنه وفقا للقواعد العامة، فإن الدعوى الجنائية تتقادم في مواد الجنايات بمرور عشر سنوات من تاريخ ارتكابها، أو من تاريخ آخر إجراء من الإجراءات القاطعة للتقادم، وكان مقتضى إعمال هذه القاعدة أن مدة تقادم الدعوى الجنائية تبدأ في السريان من تاريخ صدور الحكم الغيابي، غير أن المشرع أخضع هذه الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة - رغم أنها ليست باتة - للمدة المقررة قانونا لسقوط العقوبة ، لا لسقوط الدعوى، والأولى ضعف الأخيرة؛ للحيلولة دون أن يكون المتهم المتغيب عن إجراءات المحاكمة في وضع أفضل ممن حضرها (٣٤).

ويلاحظ أن حكم محكمة جنايات أول درجة الغيابي يصبح باتا بمجرد اكتمال مدة سقوط العقوبة، ولكن ذلك ليس معناه أن هذه العقوبة المقيدة للحرية أو الإعدام التي يقضي بها الحكم الغيابي قابلة للتنفيذ؛ إذ أنها في جميع الأحوال لن تنفذ ؛ لأنه بفرض حضور المحكوم عليه إراديا سواء بنفسه أو بوكيله الخاص، أو إجباريا بالقبض عليه، قبل أن تستكمل مدة التقادم المسقط للعقوبة؛ يسقط الحكم ويزول أثره ، أما إذا قبض عليه أو حضر بعد مضي مدة تقادم العقوبة، فقد انقضت العقوبة ذاتها ولن تنفذ أيضا، وذلك بخلاف وضع العقوبات المالية، والتعويضات المنفذة بموجب الأحكام الغيابية والتي تستقر لو صار الحكم باتا (٣٥).

والسؤال المطروح في هذا المقام، هو مدى خضوع الحكم الغيابي الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة المدد سقوط العقوبة، أسوة بالأحكام الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة لاسيما في ضوء ما نصت عليه المادة رقم ۳۷۳ المار ذكرها والتي تقضي بسريان كافة الأحكام والأوضاع المقررة أمام محكمة جنايات الدرجة الأولى على الدعاوى المنظورة أمام محاكم الجنايات المستأنفة، ومن ثم فإن مقتضى إعمال ظاهر هذا النص يوجب أن تخضع الأحكام الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة لحكم سقوط العقوبة المنصوص عليه في المادة رقم ٣٩٥ من قانون الإجراءات الجنائية التي لم يلحقها أي تعديل بالقانون رقم (1) لسنة ٢٠٢٤.

بيد أنه لا يمكن التسليم بهذا القول للمبررات التالية: أولها أن الأصل في النصوص القانونية التي تنتظمها وحدة الموضوع هو امتناع فصلها عن بعضها البعض باعتبار أنها تكون فيما بينها وحدة عضوية تتكامل أجزاؤها، وتتضافر معانيها، وتتحد توجهاتها، لتكون نسيجا متألفًا يُعبر عما رمى المشرع إلى تحقيقه منها، وفقًا للضوابط التي أوردها فيها (٣٦) ومن ثم ينبغي قراءة المواد أرقام ٣٩٤ ، ٣٩٥ ، ٥٢٩ من قانون الإجراءات الجنائية في نسق موحد لأنها تعالج مجتمعة المدد الإجرائية التي تخضع لها الأحكام الغيابية في مواد الجنايات. 

لما كان ذلك، وكانت صياغة المادتين رقمي ۳۹٤ ، ۵۲۹ المعدلتين بالمادة الأولى من القانون رقم (1) لسنة ٢٠٢٤؛ باستبدال عبارة «محكمة جنايات أول درجة» بعبارة «محكمة الجنايات. تدلان بجلاء أن المشرع أخضع فقط الأحكام الغيابية الصادرة من محاكم جنايات أول درجة إلى مدة السقوط المقررة للعقوبة، ومن ثم فهما يقيدان ما تضمنته المادة رقم ٣٩٥ في شأن سريان حكم المدة المقررة لسقوط العقوبة، بجعله قاصرا على الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة ثانيا: العلة التي دفعت المشرع من وراء إخضاع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة الجنايات المستأنفة للمدد المقررة لسقوط الدعوى؛ ما ارتأه من أن محكمة جنايات أول درجة هي المحكمة المختصة بالفصل في الدعوى ابتداء، وكذلك المختصة بنظر إعادة الإجراءات في الأحكام الغيابية الصادرة بالإدانة من محكمة الجنايات المستأنفة إذا لم تكن محكمة جنايات أول درجة استنفدت ولايتها بالفصل في الدعوى، وبالتالي تتوافر في تلك الأحوال علة إطالة أمد السقوط على نحو يجدر معه إخضاعه المدد سقوط العقوبة، بخلاف الأحكام الغيابية التي تصدر من محكمة الجنايات المستأنفة التي لا يتصور صدورها إلا بناء على استئناف النيابة العامة، وتصدر من محكمة طعن في خصومة لم تنقض الدعوى فيها بحكم بات؛ فمن ثم رئي إخضاعها للقواعد العامة في سريان مدد تقادم الدعوى.

ثالثاً: لا يجوز أن يؤخذ في تفسير القوانين الجنائية بطريق القياس ضد مصلحة المتهم؛ فإذا كان النص ناقصاً أو غامضاً فينبغي أن يفسر بتوسع لمصلحة المتهم، وبالتضييق ضد مصلحته (۳)، كما أن أعمال القياس في تفسير القواعد الإجرائية مشروط بأنه لا قياس على نص استثنائي تطبيقا لقاعدة أن الاستثناء لا يقاس عليه (۳۸). ولا شك إن إخضاع الأحكام الغيابية الصادرة من محكمة جنايات أول درجة لحكم سقوط العقوبة هو استثناء لا يقاس عليه، وفوق ذلك فهو قطعا ضد مصلحة المتهم لأن مدد سقوط العقوبة في الجنايات ضعف مدة سقوط الدعوى. كل ذلك يجعلنا نؤكد - بيقين - سريان حكم تقادم الدعوى الجنائية على الأحكام الغيابية الصادة من محكمة الجنايات المستأنفة.

وإزاء نهج المشرع على نحو ما سلف؛ فلا يمكن أن يصير الحكم الغيابي الصادر من محكمة الجنايات المستأنفة باتا، بل يعد بمثابة إجراء قاطع لتقادم الدعوى الجنائية التي تنقضي بمضي عشر سنوات في مواد الجنايات، أو ثلاث سنوات في مواد الجنح.

والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام بشأن كيفية احتساب بداية مدد التقادم المسقط للعقوبة والمسقط للدعوى الجنائية؛ وذلك في الأحوال التي تقتضي التتابع بينهما بصدور حكم غيابي من محكمة جنايات أول درجة، ثم يطعن عليه بالاستئناف من النيابة العامة، فيصدر حكم غيابي بالإدانة من محكمة الجنايات المستأنفة.

لمزيد من التفاصيل يمكنكم الإطلاع على الرابط

مقال للمستشار الدكتور محمد سامي العواني نائب رئيس محكمة النقضhttps://ijdjl.journals.ekb.eg/article_360530_4545d4fca62b3ea6ae2f13a1f49a8780.pdf

 

تم نسخ الرابط