الخميس 25 يوليو 2024
-
رئيس التحرير
محمد الطوخي

نصيحة مني أقدمها لك: إذا كنت عالما أو أديبا أو فقيها، فاعمل جاهدا أن تنشر تراثك وكتبك بيديك قبل أن تعاجلك المنية، ولتعلم أن من خلفتهم من أبناء لا يلوون على تراثك في شيء، وإنهم في كثير من الحالات من أشد أعداء هذا التراث وخصومه وأسرع الناس فتكا به وإهمالا له سواء كان مكتبة خلفتها أو تراثا فكريا سطرته بيديك ويحتاج إلى من يوالي نشره بعد موتك.
وإني لأضحك من حرص البعض على تأليف رواية أو عمل كتاب وأول أهدافه أن يقيم معنى تربويا في روع أبنائه ليمنحهم الفخر والسعادة حينما يرون أن أباهم ألف كتابا، يخيل إليه أنه يعلم أبناءه أنه عظيم، أو أنهم آمنوا أنه عظيم، وحينما يرحل عن الدنيا يكون أول ما يمزقونه هو هيكل هذه العظمة التي صدعهم بها طول حياته.
الأبناء الروحيون أو التلاميذ الذين يرتبط بهم الكاتب أو المفكر أو العالم أثبتوا في كثير من المواقف أنهم أشد برا بالعالم والأديب من أبنائه الحقيقيين، حين يعملون على نشر تراثه وإحيائه من جديد.
علمت من صديق أن ابن عالم من العلماء الكبار أوقف إخراج تفسير للقرآن ألفه والده، لأنه يعتقد أن هذا التفسير سيدر الملايين إن طبع، بينما لا يتحرك إلى طبعه وإخراجه وينتظر التاجر الذي يعرض عليه أكبر سعر حتى يعطيه الكتاب ويغنى من ورائه، وهذا الجاهل سيظل على هذه الحال الغبية ولن يأتيه أحد وسوف تنتهي حياته ويموت ويضيع من بعده تراث والده الذي قدمه خدمة للإسلام.
منذ فترة أوشكت أن أنشر كتابا لأحد العلماء على الإنترنت مجانا حتى يستفيد القراء، فأوشكت إحدى بناته أن تقاضيني وسارعت لتعرف الموقف القانوني لولا لطف الله بي، وقد أخبرني الصديق معالي المستشار بهاء المري أن هذه السيدة لو رفعت عليك قضية كان من الممكن أن تقضي عليك بغرامة تصل إلى 800.000 جنيه، كل هذا لأن المطبعة التي تطبع كتب والدها ورقيا تقتسم معها أجر المبيعات.
قرأت في سيرة المؤرخ الراحل محمد عبدالله عنان قوله: "واذا كنت آسف على شيء في حياتي العائلية ، فهو انني لم أرزق من يمكن من أولادى أن يخلفني في حياتي الادبية ، ويرعى تراثي التاريخي العريض، ويقوم علي الاستمرار في نشر كتبى التاريخية والادبية المختلفة، لكي تنتفع بها الاجيال اللاحقة ، واني لا ترك هذا التراث وديعة بين يدى الله سبحانه ، يرعاها ويحفظها وهو خير الحافظين"
ولأجل القيمة العظيمة لكتبه رحمه الله قيض الله لمن بعده أن يعرف قيمتها ويوالي العناية بها، لكن هناك من العلماء من ضاع كثير من تراثهم، وكان أول الأسباب أنهم لم يخلفوا وراءهم من يعرف قيمة ما يكتبون ويسطرون.
وهناك من لا يعبأون بعناية أبناءهم لأنهم تركوا الالحاد في كتبهم حارسا لبقائها، فإلى اليوم مازالت تطبع كتبا لبعض الأدباء تتفجر كفرا وفجورا وقد فني أبناءهم، فلم يتركوا وصية لمن بعدهم أن يعتني بتراثهم، لأن وجدا الشيطان يرعانها وينميها، وكان لهم خير وريث وخير معين.
ومن ثم كانت هذه النصيحة لك أن تكون أول المعتنين بتراثك وكتبك وسطورك، حتى لا يأتي وراءك ولد جاهل فيرمي بتراثك في القمامة، وأو يحبسه عن الناس رجاء الاتجار به.. وإذا كنت في هذا المقام أبرز الصورة السلبية لأبناء العلماء، فإنني أشيد بأبناء بعض العلماء الذين يحرصون على نشر تراث والدهم وإحياء ذكره ومد أثره وتجديد كتبه برا به وخدمة للعلم والفكر والأدب.

تم نسخ الرابط