"الصحة تاج على رءوس الأصحاء" حكمة لطالما تغنينا بها، ونشأنا عليها، لكن الواقع الحالي يعكس فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق؛ فكثير منا يمارس عاداتٍ قد تودي بصحته التي استأمنه الله عليها، وجعل المغامرة بها في غياهب الهلاك من الكبائر.
ومن أكثر العادات الضارة التي بات الناس مصرين عليها -لا سيما الشباب- التدخين الذي يندفعون إليه كاندفاع الظامئ إلى الغدير وكأنه طوق النجاة من هموم الحياة!
يقتادهم إلى ذلك مغريات مزيفة، منها: أنها وسيلة للهروب من واقع مرير يعج بالمشكلات المعضلة، التي يظن كثير منهم أنه لا طاقة لهم بمواجهتها، وأنهم لا ملاذ لارتياحهم النفسي إلا في التدخين!
كذلك قد يتوهم بعض الشباب أن التدخين وسيلة لإثبات رجولتهم، لاسيما المقلدين منهم لآبائهم، أو إخوتهم، أو أصدقائهم!
ومنها أيضًا القدوة المزيفة عن طريق ما يصوره الإعلام في كثير من دول العالم من أن المدخن شخص مقبول، خاصة في الأعمال الدرامية التي تجعل من المدخن بطلًا في كثير من صنوفها؛ مما يجعل الشباب المتأثرين بشخصية البطل يحاكون تصرفاته وسلوكياته على غير وعي منهم، ومما يدلل على ذلك أن دراسة في "النرويج" أظهرت نتائجها أن التدخين قد انخفض بنسبة 9% عندما حظرت الدولة الإعلانات المروجة للتبغ عام 1975م.
وإذا بحثنا في أسباب هذه المشكلة فإننا سنجد أن المسئول الأول عنها هو الأسرة حينما تقاعست عن القيام بدورها المنوط بها تجاه أبنائها، فالأب الذي يحول عمله عن رؤية أولاده، والجلوس معهم، والاستماع إليهم، وتقديم النصح لهم، وإذا جلس يدخن أمامهم غير مكترث بعواقب هذا الصنيع، والأم المنشغلة عن أبنائها بشواغل من شأنها تعريض الترابط الأسري للخطر كلاهما مسئول عن ذلك مسئولية كاملة.
كذلك المدرَسة مسئولة عن ذلك، فحينما نجد أن بعض المعلمين يدخنون أمام طلابهم ماذا ننتظر من تلامذتهم أن يفعلوا!
أيضًا رفاق السوء الذين يحض بعضهم بعضًا على اقتراف هذه العادة الذميمة، ومعلوم أن تأثير القرين على قرين أشد من سواه لذلك قال سيدنا صلى الله عليه وسلم:" المرأ على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"
وإن تعجب فعجب فعل أولئك الذين يصرون على التدخين وهم يرون بأعينهم ذلك الشخص المرسوم على علبة السجائر، ولا يكاد يتنفس إلا بشق الأنفس، ومحاط بتحذير " احترس التدخين يدمر الصحة ويسبب الوفاة- الآثار المدمرة للتدخين تصيب المدخن وغير المدخن- يسبب التدخين أمراض القلب والشرايين"!
من أجل ذلك كان علينا أن نتصدى لهذه المشكلة وأن نبحث عن أنسب العلاجات لها؛ كي نحافظ على شبابنا سواعد المستقبل، وأمل الأمة، تلك الثروة التي لا تقدر بكنوز الأرض مجتمعة، ومن ثم يتوجب على المجتمع -بكافة مؤسساته- أن يقوم بدوره المنوط به، وأن يجعل هذه القضية أولوية قصوى .
ومن الوسائل التي قد تفيد الشباب في الإقلاع عن التدخين: الاستعانة بالله، فهو خير معين على ذلك الأمر، ولتعلم أيها الشاب أن الله يريدك أن تكون قويًا؛ فـ" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"
أيضًا عليكم بالعزيمة الجادة، والانشغال بالأعمال النافعة والأنشطة المفيدة، والابتعاد التدريجي عن التدخين شيئًا فشيئًا، واستثمار مواسم الطاعات استثمارًا عمليًا، ومن ذلك الصوم، فمن كان يدخن وابتعد عن التدخين طوال شهر رمضان مثلًا، فلا شك أن ذلك سيساعده في الإقلاع عن التدخين.