في استقصاء لآراء الطلاب والطالبات حول الامتحانات عبر فيديوهات وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر لنا فيديو لبعض الطالبات ينكرن على المراقبين في اللجان منعهن من الحق في الغِش ويتهمونهم بعدم الرحمة والإنسانية، بطريقة أزعجت البعض واختلفت حولها الآراء والنقاشات التي لا أظن أن لها جدوى سوى استفادة صانعو التريندات على أن تظل القضية ذاتها بلا علاجات، فما رأيتهم اهتموا إلا لأسلوب تعبير الطالبات الذي فقد التربية ودفن التعليم، وأشكالهم التي خرجت عن المألوف ببجاحة لم يعتادها الناس على المكشوف، وتوقّفنا عند فهم الأسباب الحقيقية التي أدت إلى إيمان هؤلاء الطالبات بأن الغِش في الامتحانات حق لهن.
ولأني أعمل في مجال التعليم، سأقدّم لحضراتكم تبريرًا واقعياً لرؤيتهن التي تتمحور حول أن الغِش حق مكتسب وأن مانعهم منه لا يعرف الرحمة ولا الإنسانية، من منظور علمي وليس تخيّلي وفي ضوء نظرية اللعبة والمنفعة التي ترى أن المعاقبة القوية للغشاشين تُشجع بقوة على التعاون المنهجي في ضوء المراقبة الأمنية، ولكون عملية الغش تُبنى على مثلث من ثلاثة عوامل هي:
- وجود فرصة للغِش، ودائماً ما تُعالجها المؤسسات التعليمية بإحكام المراقبة، وإنشاء مدونات شرف وأخلاقيات للرصد، إن وجدت.
- الدافع من الغِش، وله أوجه متنوّعة تعكسها غايات الطلاب المختلفة، ويمكن التغلب عليها من خلال استراتيجيات التعليم والتقييمات التكوينية المتكررة.
- تبرير عملية الغِش، والتي يرى المُتعلِم أنّه لا ينتهك بها قيمه الشخصية والمجتمعية، وهذا موطن الداء حيث تعقيد التأثيرات الخاصة بهذا العامل.
وتشرح نظرية اللعبة هذا الضلع المعقّد من خلال ركنين هما:
- السجين، وهو الطالب الذي تصوّر أنّه في فترة عقوبة للحصول على شهادة تعليمية، ويحق له الهرب من المراقبة المفروضة عليه، وهو فكر مؤسسات زادت من مصروفاتها على المراقبة فزاد تفكير الطالب في الهرب من رقابتها، وعليه فلا المؤسسة التعليمية استفادت من مراقبتها ولا الطالب نجا من خطر الوقوع في الهرب. ومحصلتها وضع المُعلمين في مواجهة الطلاب.
- المنفعة، طالما القائمين بالتدريس أصبحوا في مواجهة الطلاب والمؤسسات التعليمية خارج اللعبة بسبب اعتمادها على الرقابة غير الشمولية تتحكم المنفعة الفردية. فإمّا أن تُرضي الطلاب الذين يحبّون المتساهل والمساعد في الغِش، وهو الاتجاه الأسهل تنفيذًا والأقل تكلفة، وإمّا أن تمشي عكس الاتجاه السابق فتكون من المراقبين الحازمين الذين يمنعون الغِش وتتحمّل تبعات ذلك.
ونتيجة ذلك يظهر على مستوى القائمين بالتدريس؛ غالبية تميل إلى الأسهل تنفيذاً والأقل تكلفة، في ضوء المنفعة المتحققة لكل طرف منهم على حدة، رغم أن ذلك يتنافى تماماً مع نظم القيم التعليمية، فسيكون الغِش أكثر انتشارًا وتأييدًا حتى يُصبح حق مكتسب ومانعه مُجرم لا رحمة في قلبه ولا إنسانية في تصرفه وهو ما شاهدناه، وهذا يعكس خللاً جسيماً في نُظم التعليم وعدم وضوح الرؤية، وعلى مستوى الطالب؛ تظهر أنواع مختلفة؛ الدفاعيون الذين يُدافعون بكل قوة عن حقّهم في الحصول على درجات بطرق غير نزيهة، والعدوانيون الذين يسعون بكل التدابير لتخريب زملائهم وتوريطهم في تعميم الغِش، وأقلهم المتقنون الذين يسعون للاتقان بكفاءة ويتحمّلوا تبعات ذلك كما يتحمًل المانعون للغِش من القائمين بالتدريس.
وتتطور لعبة المنافع حول قضية الغِش والتسهيل، حتى يُصبح لكل إجراء أو تسهيل ثمن، ولكل مُعلّم ومتعلم طرقه وأساليبه في الحصول على هذا المُكتسب، فتتعدد صور المنافع من السيجارة إلى الفيلا أو العمارة، ومن التحرش إلى الفراش، وتتصارع الأطراف في حرب المنافع على مقايضات متنوّعة؛ كالاستفادة مقابل التقصير، والتمويل مقابل انعدام الضمير، والتمرير مقابل الحصول على التقدير، وتعطيل اللوائح مقابل المجاملة، وغيرها.
مما يفقد جميع الأطراف الثقة في النظم التعليمية، وكل طرف يخاطب الطرف الآخر بما اكتسب بغير حق أو تربّح منه بأي شكل، فتُفقد القيمة وتُصبح المحصلة ما تراه علناً وتستنكره مع أننا قد نكون شركاء فيه، والحقيقة أن هذه القضية أوسع وأعمق من أن يتناولها مقال تحليلي فقد تناولت جانباً يخص التعليم ومؤسساته ولم أتناول التربية وآثارها، وحتى لا أكون أقدمت على توصيف لصور واقعية دون تقديم حلول فسأعرض استراتيجية للتعامل مع هذا التصوّر في ثلاث خطوات:
- توحيد الثقافة الواقعية بالمؤسسات التعليمية حول الغِش في الامتحانات والتسهيل، هل هو من باب مساعدة الطلاب والتسهيل عليهم أم أنّه جريمة تضر بأمن المجتمع المصري، للأسف هذا محل تنازع بين أطراف العملية التعليمية التي تعتمد الأفكار الفردية، مع أن المعلن بالمؤسسات التعليمية أن الغش جريمة بدليل النصوص القانونية والتأديبية ومع ذلك تخالفها بإجراءات فردية وبالتالي فلا قيمة لعقيدة المؤسسة بلا تطبيق.
- التحول في لعبة المنفعة لصالح؛ المحاربون للغِش من القائمين بالتدريس وكل من يعاونهم، والمتقنون بكفاءة من الطلاب وكل من يلحق بهم، والتحول في استراتيجيات التعليم من الرقابة والمنع إلى المشاركة والثقة؛ للقضاء على فرص الغش ودوافعه، فالحفظ والتلقين في نظم التعليم أحد أهم عوامل زيادة فرص الغِش ودوافعه.
- اقصاء الإدارات والنظم غير الفعّالة في إقامة نظم تعليمية ذات كفاءة في بناء الثقة بأقل تكلفة وتعزيز تكامل جميع الأطراف في بنائها ليحصل فيها كل مُعلّم أو متعلّم على قدر سعيه واجتهاده، لأن مستويات البناء على تسلسل هرمي منضبط تكاد تكون منعدمة، وفكر الهروب إلى الثابت على حساب المصلحة العامة أولى من التغيير الذي ينفع ولا يضر مطلقاً.
وتحتاج هذه الخطوات الثلاثة المجملة إلى تفصيلات إذا أردنا علاجاً لهذا الداء الذي ينخر في بناء المورد البشري بهذا المجتمع العظيم، الذي علّم الدنيا وصنع الحضارة ولا زال عصياً على كل ذي علم، وأقول آسفاً إنه مع كثرة المهدئات وزيادة الاضطرابات يصعب توقّع التصرفات .. فلننتبه حتى لا نرى أسوأ من ذلك بكثير، ولنتحوّل بلا تردد إلى نظم تفيد الهارب قبل الراغب وتبني الثقة لأمد بعيد.