ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

د. ياسر حلمي يكتب: الأعاجم يتفوقون.. فأين المصريون؟

د. ياسر حلمي
د. ياسر حلمي

استكمالًا لما تفضل به الأستاذ الدكتور علاء جانب، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، بشأن الظاهرة اللافتة في نتائج الكلية، والتي تمثلت في تصدر طلاب من غير الناطقين بالعربية (الأعاجم) لقوائم المتفوقين والعشرة الأوائل، فإننا نرى في هذا التحدي فرصة للفهم العميق وإعادة التقييم، لا للشكوى أو التهوين.

هذه الظاهرة، في ظاهرها، تعكس تكافؤ الفرص في بيئة تعليمية منفتحة لا تميز بين طالب وآخر لأي سبب، وهو أمر محمود في ذاته. كما تشير إلى أن المناهج ليست عصية على الاستيعاب، وأن الأساتذة يبذلون جهدًا مميزًا في تدريس غير الناطقين بالعربية، وهو ما يستحق التقدير.

لكن – وبصدق علمي ومسؤولية وطنية – فالمسألة تستحق وقفة تأمل وتحليل. لماذا؟

لأن الأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل هو المرجعية الكبرى للتراث الإسلامي الأصيل، والجسر الحضاري للإنسانية في العصر الحديث. وغالبية الدارسين في الكليات الأصيلة (اللغة العربية، الشريعة، أصول الدين) هم من أبناء الأزهر المصريين والعرب، المفترض أن يتصدروا هم مشهد التفوق في هذه المجالات.

لقد شهدت جامعة الأزهر، خلال العقود الأخيرة، نقلة نوعية وتوسعًا أفقيًا ورأسيًا في مجالات الطب والهندسة والعلوم والزراعة….، مما عزز من حضورها ومكانتها عالميًا. لكن هذا التطور، رغم أهميته، أثار تساؤلات جوهرية حول انعكاساته على الكليات الأصيلة، حيث أصبحت الخيارات الوظيفية والاجتماعية تميل إلى الكليات العملية التي تتطلب مجاميع مرتفعة، (95%  للطب…) بينما يُترك قطاع الكليات الشرعية واللغوية لطلاب قد يحصلون على أقل من 60% بل أحيانًا 50%، ما يضعف جودة المخرجات العلمية والفكرية في مجالات هي أساس استقرار المجتمع وأمنه الثقافي والفكري.

ليست الأزمة في التراث أو المناهج، وإنما في قدرة المتعلم ذاته، وفي منظومة القبول والتحفيز. الطالب الذي لا يمتلك أدوات التفكير والتحليل، ولا يستوعب لغة التراث، كيف يكون قائدًا دينيًا أو مفكرًا ثقافيًا؟ وإذا أُهملت الكليات التي تُخرّج أئمة المساجد والدعاة والموجهين الروحيين، فإننا نهدر دعامة أساسية من دعائم الأمن المجتمعي.

ولذا، وبوصفي مديرًا لمركز التميز الدولي والتطوير المؤسسي، بجامعة الأزهر، فقد قدمت قبل أكثر من عامين وثيقة متكاملة بعنوان “إعداد قادة الأزهر”، تضمنت حلولًا ذكية لاستقطاب المتفوقين، عبر حوافز تعليمية، وتبادل دولي، ومكافآت مجزية، تفتح أمام الطلاب أبواب الطموح إن هم التحقوا بالكليات الأصيلة، بديلًا عن التزاحم على الطب والهندسة فقط.

أما الاقتراحات القديمة بفصل الكليات العملية عن جامعة الأزهر، فهي طرح غير مقبول، وتصور مضطرب يتجاهل ما حققته هذه الكليات من تميز، ويهدم رؤية الأزهر باعتباره المنبر العالمي الفريد الذي يجمع بين علوم الدين وعلوم الحياة. إن مجد الأزهر الحديث يكمن في هذه الثنائية التكاملية، لا في الانغلاق.

الحل ليس في الفصل… وإنما في التوازن.
التوازن بين علوم التراث وعلوم العصر، بين العقل الفقهي والعقل العلمي، بين تخريج الداعية وتخريج الطبيب. وهذا يتحقق من خلال:
• دعم مالي وأكاديمي للكليات الأصيلة.
• إعادة النظر في نظام القبول وتخصيص نسب للمتفوقين.
• تهيئة بيئة تعليمية جاذبة تواكب تطلعات الشباب.
• تمكين أساتذة هذه الكليات من أدوات العصر.

وقد أعددنا في مركز التميز الدولي تقريرًا شاملًا بهذا الشأن، وتم رفعه إلى الجهات المعنية منذ عامين، ونال إشادة نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا، أ.د. Mahmoud Seddik وقد تضمّن استراتيجية متكاملة لضمان التوازن بين الأصالة والتجديد.

الخلاصة:
العلوم الحديثة أغنت جامعة الأزهر وعززت مكانتها، ولكن الكليات الأصيلة تحتاج إعادة نظر في منظومة القبول، وحوافز حقيقية لجذب المتفوقين، حتى لا تفقد الأمة عقلها الفقهي وهويتها اللغوية والثقافية.

إن الاستثمار في العقول المتفوقة داخل كليات أصول الدين والشريعة واللغة العربية، ليس مجرد ضرورة تعليمية، بل حتمية وجودية لبناء خطاب إسلامي عقلاني، وتخريج نماذج فريدة مثل فضيلة الامام الأكبر الطيب، وشيوخ الأزهر من قبله…، يواجهون تحديات العصر بحكمة، بما يرتقي بالمجتمع علمًا وأخلاقًا، ويُبرز جمال التراث الإسلامي في حل مشكلات الحاضر.

تم نسخ الرابط