وزير الشؤون الدينية الجزائري: لا بديل عن المفتي البشري
أكد الدكتور يوسف بلمهدي، وزير الشؤون الدينية والأوقاف بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، أن المفتي البشري الرشيد سيظل ركيزة أساسية في صناعة الفتوى المعاصرة، مهما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي، مشددًا على أن الآلة – رغم ما تملكه من قدرات هائلة في تخزين المعلومات واستدعائها – تفتقر إلى الوعي بالسياقات الإنسانية والاجتماعية، ولا تستطيع الإحاطة بروح النصوص الشرعية أو إدراك مقاصدها العليا.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي العاشر للإفتاء، الذي تنظمه دار الإفتاء المصرية بالتعاون مع الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تحت عنوان: "صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي"، وبرعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبمشاركة نخبة من كبار العلماء والمفتين والخبراء التقنيين من مختلف دول العالم، بهدف بحث آليات التوفيق بين الثوابت الشرعية ومتطلبات العصر الرقمي.
وأوضح بلمهدي أن ظهور الذكاء الاصطناعي في المجال الإفتائي يمثل محطة فارقة في تاريخ الفتوى، حيث أتاح الوصول إلى قواعد بيانات ضخمة تضم ملايين الفتاوى والآراء الفقهية، لكنه في المقابل فرض تحديات غير مسبوقة على المؤسسات الدينية، أبرزها انتشار ما وصفه بـ "الفتاوى المؤتمتة غير المنضبطة"، التي تُنتجها برمجيات توليد النصوص دون إدراك مقاصدي أو اجتهاد بشري، ما قد يفتح الباب أمام الفهم الخاطئ للنصوص أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة.
وشدد الوزير الجزائري على أن "المفتي الرشيد" لم يعد مجرد خيار مستحب، بل أصبح ضرورة شرعية واجتماعية في زمن العولمة الرقمية، نظرًا لدوره في حفظ الأمن الفكري، وتعزيز السلام الاجتماعي، وضمان وصول الفتاوى الصحيحة لشرائح واسعة من المجتمع بلغاتهم ولهجاتهم المختلفة، بما يتماشى مع مقاصد الشريعة الإسلامية ويستجيب لمتغيرات الزمان والمكان.
وتحدث بلمهدي بإسهاب عن مجموعة من المهام الجديدة التي تفرضها البيئة الرقمية على المفتي، منها:
التحقق قبل الفتوى: بمراجعة مصادر المعلومات التي تقدمها التطبيقات الذكية والتأكد من مصداقيتها.
التصحيح الاستباقي: من خلال تغذية فضاءات الذكاء الاصطناعي بمحتوى شرعي وقائي، يمنع انتشار الأخطاء قبل وقوعها.
التوسع في الوصول للجمهور: باستخدام المنصات الرقمية الحديثة لإيصال الفتوى الرشيدة إلى جمهور عالمي متنوع.
التحصين المعرفي: عبر حملات توعوية تكشف أساليب التلاعب بالمحتوى الديني الرقمي، ورصد الفتاوى المغلوطة بالتعاون مع الجهات المعنية بحماية البيانات ومكافحة التضليل.
كما أشار إلى أن مواجهة التحديات التقنية لا تعني رفض التكنولوجيا، بل استيعابها وتطويعها لخدمة المقاصد الشرعية، مع وضع ضوابط واضحة لدمج الذكاء الاصطناعي في الفتوى، على رأسها: الإشراف البشري المؤهل، والالتزام بالمذاهب المعتبرة، وحماية خصوصية المستفتين، وعدم الاعتماد على النماذج العامة دون تخصيصها لبيئة إسلامية موثوقة، وربط الأنظمة الذكية بالمؤسسات الإفتائية الرسمية لضمان المراجعة الفقهية المستمرة.
واختتم وزير الشؤون الدينية الجزائري كلمته بالتأكيد على أن المفتي البشري سيبقى الضامن الأساسي لترشيد الفتوى وحماية المجتمعات من الانحرافات الفكرية، مهما بلغت قدرات الآلة، مشيرًا إلى أن الجمع بين العلم الشرعي العميق والفهم الواعي للتقنيات الحديثة هو السبيل لصناعة مستقبل إفتائي أكثر دقة وموثوقية، يلبي احتياجات الناس ويحافظ على ثوابت الدين.