ads
الجمعة 05 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في عالم تسوده قوانين جافة تُكتب بحبر أسود، وتهتز قاعات محاكمه بوقع مطارق العدالة، كان هناك قاضٍ مختلف، هو فرانك كابريو (1936–2025). 
لم يتبع كابريو النص الحرفي للقانون فحسب، بل تبعه قلبه النابض بالرحمة.
 لقد آمن بأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بلمسة إنسانية، وأن الدولة ليست سيفاً مسلطاً للعقاب، بل هي كالأب الحاني الذي يرى في كل فرد مشروعاً للخير، وليس هدفاً للعقوبة. ومن هذا المنطلق، بزغ نجم هذا الرجلٍ الذي ساهم في أعادة تعريف مفهوم العدالة للعالم، الذي لم يكتسب شهرته من قسوة أحكامه، بل من رحمته التي حولت قاعة محكمته إلى مدرسة في الإنسانية.

هذا المفهوم الإنساني للعدالة، الذي تجسد في مسيرة القاضي كابريو، كان محور حوار قانوني قضائي مع أخي الأستاذ الدكتور أحمد عبد الظاهر حول أنسنة القانون. ولأهمية ما طرحه وقناعتي به، حفزني ذلك للبحث عن وسيلة للتواصل مع القاضي، لكن القدر قد سبق، حيث وافته المنية يوم الأربعاء الموافق 20 أغسطس 2025، عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد رحلة عطاء من قضاء الرحمة أكسبته حب واحترام الملايين حول العالم.
 لذلك فقد تعهدت أن ألقي الضوء على مسيرته المهنية المفعمة بالرحمة بهذه الكلمات البسيطة، لعل ذلك يكون نبراسًا لقضاتنا في أوطاننا العربية.

الرجل الذي سبق الرداء: 

لم تكن رحمة القاضي كابريو مصطنعة، فلم يرث القضاء عن أب قاضي ولم يولد وفي فمه معلقة من ذهب لثراء عائلته أو نفوذ مناصبها، بل كانت حياته نتاج حياة صقلتها الحاجة والتضحية. حيث نشأ في حي "فيدرال هيل" في بروفيدنس، في "شقة باردة بلا ماء ساخن". 
كان والده، المهاجر الإيطالي البسيط، يوقظه في الرابعة صباحًا ليوزع معه الحليب، غارسًا فيه قيم العمل الشاق والإنصاف. 
لكن الدرس الأهم الذي ورثه فرانك كان وصية أبيه الخالدة: 

"إذا أصبحت يومًا محاميًا فلا تأخذ اتعابا من الفقراء – وتذكر اننا إذا احتجنا للأسف إلى محامٍ، فلن نتمكن من توكيله لأننا فقراء ".

هذه الكلمات لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل أصبحت حجر الزاوية في فلسفته القضائية التي لخصها بقوله: 

"العدالة ليست قانونًا فحسب، بل إنسانية قبل كل شيء".

لقد آمن كابريو بأن على القاضي أن "يضع نفسه مكان الآخرين"، فكان يرى في كل شخص أمامه قصة تستحق أن تُسمع، وظروفًا يجب أن تُفهم. هذا الإيمان هو الذي جعله يضع "وجهًا للإنصاف والرحمة على القضاء".

قاعة المحكمة كفصل دراسي: 

عبر برنامجه الشهير "Caught in Providence"، الذي شاهده الملايين حول العالم، قدم القاضي كابريو نماذج حيّة لكيفية التقاء القانون بالإنسانية. لم تكن جلساته مجرد محاكمات، بل كانت دروسًا مؤثرة في العدالة التصالحية.

  • قضية الأب المُسن: وقف أمامه رجل يُدعى "فيكتور" يبلغ من العمر 96 عامًا، متهمًا بتجاوز السرعة أثناء نقله لابنه المريض (63 عامًا) إلى موعد طبي. بدلًا من تطبيق القانون بحذافيره، نظر القاضي كابريو إلى وجه الأب وقال له: "أنت رجل صالح"، وأشاد بتفانيه في رعاية ابنه، ثم أمر بإسقاط القضية بالكامل. هنا، لم تكن العدالة عمياء، بل كانت مبصرة ترى ما هو أسمى من مخالفة مرورية، وهو حب الأب وتضحيته.
  • قضية الطفل يعقوب: في إحدى القضايا، دعا كابريو طفلًا اسمه يعقوب (5 سنوات) إلى منصته ليساعده في الحكم على والده في مخالفة وقوف. عرض عليه ثلاثة خيارات: غرامة كاملة (90 دولارًا)، أو مخفضة (30 دولارًا)، أو لا شيء. 
    اختار الطفل الحل الوسط، مبلغ 30 دولارًا. 
    حينها، وعد الأب بأن يأخذ ابنه لتناول الإفطار بهذا المبلغ، وعندما صاح يعقوب ببراءة: "أنا أحب لحم الخنزير المقدد!"، ابتسم القاضي وقرر إسقاط الدعوى بالكامل. لقد أدرك بحكمته أن لم شمل الأسرة على وجبة إفطار هو استثمار في نسيج المجتمع أثمن من أي غرامة.
  • قضية الأم المهاجرة: مثلت أمامه امرأة من غواتيمالا في مخالفة مرورية، وشرحت أنها كانت في طريقها إلى درس اللغة الإنجليزية لتحسين فرصها في إعالة أطفالها. لم يتردد القاضي، بل شجعها قائلًا: "استمري في دروس الإنجليزية وسأُسقِط القضية"، وأطلق سراحها دون غرامة. 
    لقد رأى أن دعم طموحها هو عدالة اجتماعية بحد ذاتها.

أخلاقيات القضاء وشفافية الرحمة: 

قد يظن البعض أن هذا النهج كان مجرد استعراض تلفزيوني، لكن الحقيقة أن شفافية القاضي كابريو كانت راسخة على أسس أخلاقية وقانونية متينة. ففي عام 2015، تقدم القاضي بنفسه بطلب رأي استشاري من 

لجنة أخلاقيات ولاية رود آيلاند بشأن مسألة تصوير شقيقه، جوزيف كابريو، لجلسات المحكمة لأغراض تجارية. 
في الرأي الاستشاري رقم 2015-26، أوضح القاضي للجنة أنه لن يتلقى أي تعويض مالي، وأن سياسته الراسخة منذ عقود هي السماح لأي فرد من الجمهور أو الإعلام بتصوير الجلسات المفتوحة. 
وبناءً على هذه الحقائق، خلصت اللجنة إلى أن: قانون الأخلاقيات لا يمنع هذا النشاط، بشرط ألا يحصل القاضي على أي منفعة مالية وألا يُمنح شقيقه أي امتيازات خاصة لا تتوفر للعامة.
 هذا الحكم الرسمي يوثق أن "مسرح الرحمة" الذي شاهده العالم كان تطبيقًا حقيقيًا للعدالة المفتوحة، وليس استغلالًا للمنصب.

الإمارات: حينما تصبح الرحمة سياسة دولة:

لم يكن القاضي كابريو صوتًا معزولًا، بل كان التجسيد الحي لتوجه قضائي عالمي يرى في العدالة أداة للإصلاح الاجتماعي. 
هذا النهج الإنساني يتردد صداه في أنظمة قانونية متنوعة حول العالم، مما يؤكد عالمية هذه القيمة وارتباطها بأخلاقيات وقيم القضاء:

  • ففي الصين، يطبق القضاة مبدأ "التوازن بين الشدة والرحمة"، الذي يسمح بالإعفاء من العقاب في الجرائم البسيطة مقابل التوجيه والإصلاح.
  • وفي اليابان، تركز محاكم الأسرة على "التدخل التربوي" بدلًا من العقاب الصارم، وتوجه الأحداث نحو خدمة المجتمع لتعميق شعورهم بالمسؤولية.
  • وفي جنوب أفريقيا، استلهمت المحكمة الدستورية فلسفة "أوبونتو" (Ubuntu) - التي تعني "إنسانيتي مرتبطة بإنسانيتك" - لإلغاء عقوبة الإعدام في قضية S v Makwanyane الشهيرة، مؤكدةً أن العدالة يجب أن تعكس الكرامة الإنسانية المشتركة.
  • وفي الولايات المتحدة، قضت المحكمة العليا في قضية Bearden v. Georgia بأنه لا يجوز سجن شخص لمجرد عجزه عن دفع غرامة، معتبرة أن معاقبة الفرد بسبب فقره هو انتهاك لأسس العدالة.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، لم تبقَ الرحمة مجرد قيمة مجتمعية، بل أصبحت سياسة دولة راسخة. 
على المستوى الاتحادي، تجلى هذا النهج في توجيهات المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان "طيب الله ثراه"، بتأسيس "صندوق معالجة ديون المواطنين المتعثرين"، ليعكس حرص القيادة على توفير أسباب العيش الكريم. 
وفي أبوظبي، يتجسد هذا النهج في مبادرات دائرة القضاء التي تترجم رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة "حفظه الله"، حيث يتم تقديم مساعدات مالية للمتعثرين وتأمين الإفراج عن النزلاء المعسرين، مما يمكنهم من العودة إلى أسرهم واستعادة توازنهم الاجتماعي. 
أما في الشارقة، فبتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تعمل "لجنة معالجة ديون مواطني إمارة الشارقة" على دراسة حالات المتعثرين لسداد ديونهم وضمان "الحياة المستقرة والكريمة لهم ولأسرهم". 
إن هذه المبادرات هي الترجمة العملية لمفهوم "الدولة الأب"، حيث تتدخل السلطة بحكمة لرفع المعاناة وحفظ كرامة الأسرة.

إرث لا يموت: دعوة لكل قاضٍ

تقاعد القاضي كابريو في عام 2023 وتوفي في عام 2025 تاركًا وراءه إرثًا لا يقاس بالسنوات، بل بالأرواح التي لمسها.
 لقد أثبت للعالم أن "اللطف دومًا يجد طريقه للعودة"، وأن العدالة الحقة لا تكتمل إلا بلمسة إنسانية.

تظل كلماته الأخيرة نبراسًا لكل من يجلس على منصة القضاء: "نحن نعيش في مجتمع شديد الخلافات... آمل أن يرى الناس أننا قادرون على تحقيق العدالة دون قمع". إن مدرسة القاضي فرانك كابريو هي دعوة مفتوحة لكل قاضٍ ومشرّع ليضع نصب عينيه أن مطرقة العدالة يجب ألا تهدم حياة إنسان، بل أن تطرق برفق على أبواب الأمل والإصلاح، وأن رداء القضاء الأسود يمكن أن يخفي تحته قلب أب رحيم.

" فهل يمكن لقضائنا العربي أن يعيد صياغة أحكامه بحبر الحياة الأخضر، إنها دعوة لقوانين الرحمة، لتكون العدالة بداية أمل لحياة جديدة."

تم نسخ الرابط