ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

اتسعت رقعة الدولة. 

لم تعد فقط مكة والمدينة بل دخلت العراق والشام كلها في نطاق الدولة التي أسسها عمر بن الخطاب. 
ولعل مصطلح الدولة يعد غريبًا بعض الشىء خاصة إذا عدنا به إلى القرن السابع عشر الهجري وهو القرن الذى بدأت فيه ملامح الدولة الكبرى تبدو كحقيقة واقعية سجلها التاريخ بحروف واضحة لا لبس فيها وربما لم يحدث هذا الاتفاق على أن  الحكم الرشيد قد تمثل في أوضح صوره خلال فترة خلافة عمر بن الخطاب بما يمكن أن نسميه بقدر من التجاوز العصر العمري 
والدهشة تزول عندما يكون مؤسس هذه الدولة الكبرى هو عمر بن الخطاب، ذلك عندما تكون أدواته هى العدل المجرد عن ثمة هوى والعدالة الاجتماعية التي تحقق التقارب بين الناس ثم هي لا تجور على حقوق الأثرياء إن كانت مصادر ثرواتهم عن أمانة وجد وشرف فعمر لم يلجأ إلى سياسة التأميم إلا في حالة واحدة عندما انتزع أرض واسعة خالية كان قد وهبها الرسول لأحد الصحابة ثم لم ينتفع بها بعد وفاة الرسول وكان الناس فى حاجة إليها. 
ربما هى المرة الوحيدة التى فعلها عمر. كان يشق علي نفسه حقا لكنه لم يشق على الناس. 
كانت أدواته أيضا في إدارة الدولة تقوم على الحزم الذى لا يستثنى منه أحد وهل يمتلك أميراً غير عمر جرأة أن يعزل فارساً مثل خالد بن الوليد مرتين ثم يكون على ثقة بأن الفارس المعزول لن يتمرد عليه!
وهل كان أميراً غير عمر يستطيع أن يحصي كل أموال الولاة قبل تعيينهم على الأمصار وقد كان منهم صحابة رسول الله حتى يراقب كم زاد فيها بعد ولايتهم فيما عرفته النظم الحديثة بعد ذلك بقرون حيث توصلت إلى تشريعات لحماية المال العام من العدوان عليه وتحريم استغلال النفوذ والتربح وما شابه هذه الجرائم وكان على ما يبدو أن أول من قالها في التاريخ لعماله وولاته.. "من أين لك هذا " 
هنا أداة أخرى من أدوات عمر في إدارة الدولة الكبرى بما يمكن أن نقول معه أنه توصل إلى فكرة المواطنة التي توصلت إليها الدساتير المدنية منذ الدستور الأميركى أواخر القرن السابع عشر ثم الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والمواطن الفرنسي الذي أرسته الثورة الفرنسية فى القرن الثامن عشر. 
دخلت الشام كلها في نطاق الدولة وكانت تخضع لحكم الروم من قبل وهى ولاية لها طبيعتها الخاصة أهلها لهم أعراف غير أعراف أهل مكة والمدينة ويبدو أن التعددية كانت تبدو على تلك البلاد بشكل واضح فقد بقى عدد كبير من المسيحيين علي دينهم وكذلل بعض من اليهود. 
لم يغير أبو عبيدة الذى ولاه عمر بن الخطاب علي الشام من  تركيبتها السكانية أو تنوع هويتها كانوا تجار وأهل رغد حتى أن أبو عبيدة قد فتح مدناً كثيرة بها دون قتال وبترحاب من أهلها الذين لم يرغبوا أبداً في القتال وعاهدهم أبو عبيده على الأمان والسلام لأرواحهم وتجارتهم. 
بينما عمر بن الخطاب يمحص رسائل الولاة التي ترد إليه في المدينة يسلمه عامله رسالة وردت من أبي عبيدة حاكم الشام يسأل عمر فيها عن أمر مسلم قتل ذمي من أهل الكتاب، فوجم عمر وظهرت على وجهه ملامح غضب وتعجب وقال في مجلسه حيث كان الحضور وبصوت عال وكأنه أراد أن يضع دستوراً راسخاً بشأن هذا الأمر. 
قال للحضور.. "يسألني أبو عبيدة في مسلم قتل ذمي في الشام وقد عجبت من سؤاله.. لا أرى رأياً فيما أنزل الله به حكماً. القاتل يقتل قصاصاَ إلا أن يعفو ولي الدم ثم نظر إلى عامله وقال له أكتب إلى أبي عبيدة بذلك.." 
بهذا الوضوح كان رأي عمر وبهذه القوة الفطرية كانت إجابته وبهذه البديهة كانت حجته. 
في الحقيقة كان من الضروري أن يعلمها أبو عبيدة فهو الرجل الذى قال عنه الرسول أنه أمين الأمة وهو الرجل الذي قال عنه عمر عندما دخل بيته وهو حاكم  الشام ووجده بلا رغد كل الناس تغيرها الدنيا إلا أبو عبيدة"
وهو الرجل الذي كان لصيقا بعمر منذ توليه الخلافة وقد فتحت مدن كثيرة في الشام على يديه دون سيف أو قتال ومن ثم نرى أن أبو عبيدة لم يوجه سؤالا حقيقياً إلى عمر فى شأن مسلم قتل ذمى ربما أراد أن يرسي دستوراً كما قلنا مستمد من مبدأ القصاص وقد كان بالفعل فقد كتب عمر إلى كل الأمصار.. "من قتل يقتل قصاصاً إلا أن يعفو ولي الدم "والعفو هنا له شروط.. إنه العفو القائم على الحرية والمنزه عن أية ضغوط أو إكراه. 
إنها إذن المواطنة في أبهى صورها.. ليس هناك مجال على الإطلاق لمناقشة أو اجتهاد مع وضوح النص.. وليس هناك تفرقة أبداً بين نفس ونفس على أساس ديني.
وليس هناك تفضيل على أساس العقيدة بين فرد وفرد أمام الحقوق والمسئوليات التي تشرعها الدولة. 
منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان حسم عمر القضية.. لا إكراه على الإسلام.. من أراد أن يظل على عقيدته المسيحية أو اليهودية فله مطلق الحرية ومن قتل ذمي يقتل إلا أن يعفو ولى الدم. كان الأمر بالنسبة لعمر بعقليته الفريدة وشخصيته العبقرية سهلاً يسيراً لا تعقيد ولا مشقة فيه فهذه مبادئ الفطرة السليمة حتى قبل أن تكون مبادئ الشريعة..! 
لكن الأمر بعده اختلف ووجدنا من يطرح السؤال .. ما الحكم في قتل مسلم لذمي هل نطبق عليه القاصاص أم له حكما آخر يقتصر على الدية..؟! 
وما حكم ولاية غير المسلم على المسلم.. هل تجوز هذه الولاية..؟! 
فقهاء ورجال دين وشيوخ ومراجع دينية وصالحين ومصلحين وكتب تراث ما زال هذا مطروحا بها حتى وقتنا هذا وما زالت القضية بالنسبة لهم مفتوحة بينما أمير المؤمنين عمر قد أغلق صفحاتها قبل ذلك بأربعة عشر قرنا من الزمان..! 

تم نسخ الرابط