ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

في خضم التوترات المتصاعدة بالشرق الأوسط، تبرز مصر كصوت عاقل وحاسم في آنٍ واحد، رافضةً بكل وضوح محاولات دفع الفلسطينيين إلى النزوح القسري من أرضهم التاريخية. وبينما تتبادل القاهرة وتل أبيب رسائل شديدة اللهجة، يظهر الموقف المصري راسخًا كالصخر: لا للتوطين.. لا للتهجير.. ولا مساس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

لم يكن موقف مصر وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل من الدفاع عن القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى اليوم. فالقاهرة، التي دفعت دماء أبنائها على أرض سيناء والقدس وغزة، تدرك أن التهجير يعني تصفية القضية من جذورها، وتحويلها من صراع سياسي مشروع إلى أزمة إنسانية مؤقتة يمكن التلاعب بها.
لهذا جاء الرد المصري حاسمًا، ليؤكد للعالم أن مصر ليست طرفًا صامتًا، بل حائط صدّ يحول دون مخططات تُراد للمنطقة بأسرها.

في الأيام الأخيرة، حملت التصريحات المصرية نبرة غير معتادة من الصراحة والحزم تجاه إسرائيل. الرسالة واضحة: أي محاولة لفرض واقع جديد عبر التهجير ستُقابل برفض قاطع، ليس من مصر فحسب، بل من الشعوب العربية والعالم الحر.
هذا الموقف لم يأتِ من فراغ؛ بل جاء مدعومًا بتاريخ من الالتزام المصري باتفاقيات السلام، وبخبرة سياسية تجعل القاهرة تعرف جيدًا متى تختار لغة الدبلوماسية، ومتى ترفع سقف التحذير.

الموقف المصري يكتسب أهمية مضاعفة لعدة أسباب. أولًا، لأن مصر تمثل الجار الأكبر لفلسطين، وبالتالي أي تهجير سيعني الضغط المباشر على حدودها وسيادتها. ثانيًا، لأن القاهرة تدرك أن التهجير إذا حدث، فلن يكون مجرد "حل مؤقت"، بل سيكون شرارة تؤجج الصراع لعقود قادمة.
على الصعيد الدولي، تحاول مصر أن تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته: إذا كان العالم يتحدث عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، فهل يقبل أن يُنتزع شعب بأكمله من أرضه.
اللافت أن الشارع المصري يقف خلف قيادته في هذا الملف. فالمزاج الشعبي يرفض التهجير تمامًا، ويرى فيه خيانة للتاريخ والجغرافيا والعروبة. ولعل ذلك ما يمنح الموقف الرسمي قوة إضافية، إذ يلتقي صوت الدولة مع وجدان الناس، في وحدة نادرة تُجسد المعنى الحقيقي للتضامن العربي.

إن رفض مصر للتهجير لا يعني رفضها للسلام أو للتفاوض، بل على العكس؛ هو تأكيد أن السلام الحقيقي لا يقوم على حساب الضحايا، بل على أساس العدالة. فالقاهرة ترى أن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بالاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة، عاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
وبينما يستمر الصراع وتتصاعد الأزمات، يظل الموقف المصري شاهدًا على أن هناك خطوطًا لا يمكن تجاوزها مهما كانت الضغوط.

في لحظة يختلط فيها صوت المدافع بصوت الدبلوماسية، ترفع مصر رايتها الثابتة: لا للتفريط، لا للتوطين، لا للتهجير. إنها ليست مجرد كلمات، بل إعلان واضح بأن مصر تقف عند الخط الأحمر الذي لا يُسمح لأحد بعبوره.
وهكذا، تبقى القاهرة حجر الزاوية في معادلة الشرق الأوسط، وملاذًا للقضية الفلسطينية، وصوتًا يذكّر العالم بأن العدالة لا تُشترى بالقوة، وأن التاريخ لا يُمحى بقرارات فوقية أو حسابات عابرة.

تم نسخ الرابط