ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

صالح الجعفراوي... حين تُطفئ الخيانة ضوء الكاميرا

خلف الحدث

الوداع الأخير في غزة

غزة التي اعتاد أن يُضيء ليلها بالصورة، ودّعته هذا الأسبوع وسط دموعٍ لا تجف.
الصحفي الفلسطيني صالح الجعفراوي، أحد أبرز الوجوه الإعلامية التي وثّقت الحرب والوجع الفلسطيني خلال العامين الماضيين، ارتقى شهيدًا في حي الصبرة بمدينة غزة، بعد اختفائه لساعاتٍ عقب خروجه لتغطيةٍ ميدانية.

رحل صالح كما عاش دائمًا: في الميدان، بين الناس، يحمل الكاميرا في يدٍ والإيمان في الأخرى.

من الميدان إلى الذاكرة

ولد صالح الجعفراوي في 1998، وبدأ مسيرته الإعلامية قبل أعوامٍ قليلة، لكنه استطاع أن يترك بصمةً لا تُمحى في المشهد الفلسطيني والعربي.
اشتهر بمقاطع الفيديو التي نقلت للعالم مشاهد الحياة تحت النار، حيث كانت عدسته شاهدةً على صمود الناس وحبّهم للحياة رغم الألم.
كان يقول دائمًا لزملائه: “أنا ما بخاف، الكاميرا بتخاف لو سكتنا.”

أصبح وجهًا مألوفًا لكل من تابع أخبار غزة، ورمزًا للصحفي الميداني الذي لا يغادر المكان حتى يطمئن أن الصوت وصل، وأن الصورة لم تُحجب.

تفاصيل الاستشهاد

في مساء الأحد، 12 أكتوبر 2025، فُقد الاتصال بصالح أثناء عمله الميداني في حي الصبرة، أحد أكثر المناطق تضررًا خلال الحرب.
وبعد ساعاتٍ من البحث، عُثر عليه مصابًا بعدة طلقاتٍ نارية، نُقل على إثرها إلى مستشفى المعمداني، حيث أُعلن عن استشهاده.

وأفادت مصادر طبية وإعلامية أن الجثمان وُجد وقد أُصيب بـ سبع رصاصات في أنحاء متفرقة من جسده.
وأشارت التقارير الأولية إلى أن الجريمة وقعت نتيجة إطلاق نار من مجموعات مسلحة خارجة عن القانون، يُشتبه في ارتباطها بجهاتٍ تعمل لصالح الاحتلال أو تتلقى توجيهاتٍ منه.

فيما لم تُصدر أي جهةٍ رسمية حتى الآن بيانًا نهائيًا يحدد هوية المنفذين أو ملابسات الحادث بشكل قاطع، ما يجعل الجريمة حتى اللحظة قيد التحقيق والمساءلة العامة.

غيابه بعد الحرب... واستشهاده في زمن الهدوء

مفارقة مؤلمة أن يُستشهد صالح بعد توقف القصف، في وقتٍ كان يتهيأ فيه لتوثيق ما بعد الحرب — حياة الناس بين الركام، وعودة الأطفال إلى مدارسهم، وصوت الأذان في المساجد التي تهدمت.
لكن الرصاص هذه المرة لم يأتِ من السماء، بل من الظلام.
غدرٌ أراد أن يُسكت الكلمة التي لم تخف، فحوّل البطل الذي واجه الموت بالحقيقة إلى شهيدٍ جديد في سجل الصحافة الفلسطينية.

صدمة وغضب في الوسط الإعلامي

فور إعلان الخبر، ساد الحزن أروقة المؤسسات الصحفية الفلسطينية والعربية.
نعاه زملاؤه برسائل مؤثرة، ووصفوه بأنه كان “صوت الناس”، وأن عدسته كانت “عين غزة التي لا تنام”.
ودعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين إلى تحقيق عاجل وشامل في الجريمة، معتبرة أن استهداف الصحفيين – سواء من الاحتلال أو من أذرعه – هو استمرار لمحاولات إسكات الرواية الفلسطينية.

إرث صالح الجعفراوي

لم يكن صالح مجرد ناقلٍ للحدث، بل كان شاهدًا على التاريخ.
صوره المليئة بالألم، وابتسامته وسط الرماد، صارتا رمزًا لجيلٍ من الصحفيين الميدانيين الذين قرروا أن يكونوا "عيون الحقيقة" مهما كانت الكلفة.

رحل صالح، لكن صوته لم يرحل، بل ما زال يطلّ من مقاطعه القديمة ليقول:

 “غزة بخير، وإن كانت متعبة… نحن الذين لا نعرف كيف نرتاح.”

وها هو يرتاح اليوم، بعد أن أنهى مهمته الأخيرة في زمنٍ لم يعرف فيه السلام.

رحل الجعفراوي تاركًا خلفه سيرةً تختصر معنى الصحافة الحرة في زمن الخوف.
سيرة صحفيٍ ظلّ وفيًّا للكلمة حتى الرمق الأخير، لم يبع صوته، ولم يُساوم على ضميره.
وفي ذاكرة غزة، سيبقى صالح شاهدًا لا يُنسى، ورمزًا للصدق الذي لا تقتله الرصاصات.

تم نسخ الرابط