ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بعد لحظة النهاية: كيف رحل صالح الجعفراوي؟

خلف الحدث

في صباحٍ رماديٍّ من أكتوبر، وتحديدًا في اليوم الثاني عشر من عام 2025، خرج الصحفي والمصوّر الفلسطيني صالح عامر فؤاد الجعفراوي إلى حيِّ الصبرة جنوب مدينة غزّة، حاملاً كاميرته كمن يحمل قلبه بين يديه.
لم يكن يبحث عن نجاة، بل عن حقيقةٍ يصرُّ أن تُروى.
في شارعٍ ضيّقٍ يُعرف بـ"شارع 8"، كان الدخان ما زال يعلو من البيوت المنكوبة، والرصاص يطوف في الهواء كقدرٍ معلّق. ومع ذلك، أصرّ صالح أن يكون في قلب الصورة، لا على هامشها.

وبينما كان يوثّق وجع المكان، أُطلقت عليه النار.
سبع رصاصاتٍ اخترقت جسده — بعضها من مسافةٍ قريبةٍ جدًا، كما أكّدت المصادر الطبية في مستشفى المعمداني.
توقّف الصوت، وسقط الجسد، وسكتت الكاميرا.
وفي اللحظة التي انقطع فيها الاتصال به، انطفأ ضوء الحقيقة على مشهدٍ كان صالح آخر من رآه بعدسته.

الروايات المتضاربة والدم الذي لا يجد تبريرًا

تقول المصادر إنّ النار انطلقت من عناصرٍ مسلّحةٍ خارجةٍ عن القانون، يُعتقد أن بعضهم ينتسب إلى عائلة دغمش أو فصائل محلية تتّهمها الجهات الأمنية بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي.
وبُعيد الحادث، أعلنت الأجهزة الأمنية في غزة سيطرتها على الميليشيا المتورّطة، مؤكدةً أن عمليات التمشيط لا تزال جارية وسط اشتباكاتٍ في حيّ الصبرة.

غير أنّ خلف هذه البيانات الرسمية، كانت المدينة تغلي.
فالحيّ كان يعيش توترًا شديدًا قبل الحادث بأيام، إثر اشتباكاتٍ بين عناصر من المقاومة ومجموعاتٍ مسلّحةٍ اتُّهمت صراحةً بالتعامل مع الاحتلال، لتصبح الأجواء مهيّأةً لانفجارٍ دمويٍّ لم ينجُ منه حتى من يحمل الكاميرا بدل البندقية.

المشاهد الأخيرة: بين الضوء والرصاص

كان صالح في تلك الساعات الأخيرة يمشي بين الأنقاض، يصوّر صرخات الأطفال، وملامح الهاربين من بيوتهم، ويقتنص من الركام ملامح حياةٍ تأبى أن تموت.
لم تكن لقطاته مجرّد صور، بل شهاداتٍ تُدين الصمت.

ورغم أنّ بعض الروايات تحدّثت عن اشتباكٍ متبادل، إلا أن مصادر أخرى تؤكّد أنه اختُطف ثم أُعدم بدمٍ بارد.
قيل إنه حاول الفرار بعد أن اشتدّ إطلاق النار، لكن رصاصة الغدر سبقت خطاه، لتغلق فصلًا جديدًا من فصول الألم في غزة.

بعد رحيله، انتشرت صور جسده المسجّى، والرصاصات تشهد على فداحة المشهد.
كان وجهه ساكنًا، كأنه لا يزال يُفكّر في لقطةٍ لم يكتمل بها التقرير.

 موتٌ يعرّي العالم

لم يكن رحيل صالح الجعفراوي مجرد فقدانٍ لمصوّرٍ ميداني، بل سقوط ضميرٍ صحفيٍّ ظلّ يقاوم ليكتب بالحقيقة قبل أن تُكتب به النعوة.
موته ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة تداخلٍ مريرٍ بين الفوضى والانقسام، والتحريض والغدر، بين من يخشى الكلمة أكثر مما يخشى الرصاصة.

لقد مات صالح لأنّه اختار أن يواجه — أن يضع الكاميرا في وجه الخطر، ويقول للعالم:

"ما زال في غزة من يلتقط الحقيقة ولو على حافة الموت."

تم نسخ الرابط