ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

بعد عقدين من الغموض… اعتراف يعيد فتح ملف مقتل عدي وقصي صدام حسين

خلف الحدث

بعد أكثر من عقدين على واحدة من أكثر العمليات العسكرية إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث، عاد ملف مقتل عدي وقصي، نجلي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلى الواجهة مجددًا، عقب اعتراف علني غير مسبوق أدلى به نواف الزيدان، صاحب المنزل الذي كان يؤويهما في مدينة الموصل عام 2003، مؤكدًا أنه هو من أبلغ القوات الأمريكية بمكان وجودهما.

الاعتراف، الذي كسر صمتًا استمر 22 عامًا، لم يُلقِ الضوء فقط على تفاصيل اللحظة الأخيرة في حياة نجلي صدام حسين، بل فتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة واحدة من أكثر صفحات ما بعد الغزو الأمريكي للعراق تعقيدًا، بما تحمله من أسئلة أخلاقية وسياسية تتعلق بالتعاون المحلي، ومكافآت المعلومات، وتداعيات الحرب على النسيج الاجتماعي العراقي.

اعتراف علني للمرة الأولى

جاء اعتراف نواف الزيدان خلال ظهوره في برنامج «الصندوق الأسود»، الذي يقدمه الإعلامي الكويتي عمار تقي، حيث قال صراحة إنه هو من قدّم المعلومات التي مكنت القوات الأمريكية من الوصول إلى مخبأ عدي وقصي حسين داخل منزله في حي البريد شمال شرق الموصل.

وأكد الزيدان أن هذا الاعتراف هو الأول من نوعه، مشيرًا إلى أن صمته طوال السنوات الماضية كان مرتبطًا بظروف أمنية معقدة، وملابسات لم يكن من الممكن الإفصاح عنها في ذلك الوقت، على حد قوله.

ويمثل هذا التصريح تحولًا نوعيًا في الرواية المتداولة منذ عام 2003، إذ ظل اسم المبلّغ عن مكان نجلي صدام حسين محل تكهنات وشائعات، دون تأكيد مباشر من أي طرف معني.

من هما عدي وقصي؟ ولماذا كانا هدفًا رئيسيًا؟

عدي وقصي حسين كانا من أبرز رموز نظام والدهما، وشكّلا خلال سنوات حكم صدام حسين ركيزتين أساسيتين في المنظومة السياسية والأمنية والعسكرية للدولة العراقية.

عقب سقوط بغداد في أبريل 2003، تصدرا قائمة المطلوبين الأعلى للقوات الأمريكية، إلى جانب والدهم، ضمن استراتيجية استهدفت تفكيك القيادة السياسية والعسكرية للنظام السابق، ومنع إعادة تشكّل أي بؤر مقاومة منظمة.

تنقّل نجلا صدام بين عدة مواقع سرية قبل أن يستقرا في الموصل، المدينة التي اعتُبرت آنذاك من أكثر المناطق حساسية أمنيًا، وسط بيئة قبلية واجتماعية معقدة.

تفاصيل العملية العسكرية في الموصل

في 22 يوليو/تموز 2003، شنت القوات الأمريكية عملية عسكرية واسعة النطاق في حي البريد بمدينة الموصل، نفذتها الفرقة 101 المحمولة جوًا، بدعم من وحدات خاصة.

وبحسب الروايات الرسمية، بدأت العملية بمحاولة إجبار من في المنزل على الاستسلام عبر مكبرات الصوت، إلا أن القوات واجهت مقاومة مسلحة عنيفة، ما دفعها لاستخدام قوة نارية كثيفة، شملت المروحيات الهجومية والأسلحة الثقيلة.

استمرت المواجهة لساعات، قبل أن تعلن القوات الأمريكية مقتل أربعة أشخاص داخل المنزل، هم:

  • عدي حسين
  • قصي حسين
  • مصطفى، نجل قصي حسين
  • أحد المرافقين الشخصيين

لتُطوى بذلك صفحة واحدة من أكثر عمليات المطاردة شهرة بعد الغزو الأمريكي.

مكافأة المعلومات… والجدل الأخلاقي

تشير تقارير صحفية متطابقة إلى أن نواف الزيدان حصل، عقب تقديمه المعلومات، على مكافأة مالية ضخمة قُدرت بنحو 30 مليون دولار أمريكي، وهي المكافأة التي كانت قد أعلنت عنها الولايات المتحدة لمن يدلي بمعلومات تقود إلى عدي وقصي حسين.

كما أفادت التقارير بأنه تم نقله مع عائلته إلى خارج العراق، ضمن إجراءات حماية، في خطوة أثارت – ولا تزال – جدلًا واسعًا داخل المجتمع العراقي.

بين من اعتبر ما فعله «تعاونًا مع قوة احتلال»، ومن رآه «خيانة لأعراف الضيافة والقرابة»، ظل اسم الزيدان حاضرًا في الذاكرة الشعبية العراقية بوصفه رمزًا لانقسام أخلاقي عميق فرضته ظروف الحرب.

لماذا الآن؟ دلالات التوقيت

يطرح الاعتراف المتأخر أسئلة جوهرية حول دوافع التوقيت، في ظل متغيرات إقليمية وسياسية أعادت فتح ملفات ما بعد 2003، ومحاولات إعادة كتابة سرديات تلك المرحلة بعيدًا عن الروايات الرسمية وحدها.

ويرى مراقبون أن خروج هذا الاعتراف إلى العلن قد يكون محاولة لتقديم «رواية شخصية» للأحداث، أو لتخفيف عبء تاريخي ظل ملازمًا لصاحبه لعقود، أو حتى لإعادة طرح الأسئلة المؤجلة حول طبيعة العلاقة بين السكان المحليين والقوات الأجنبية خلال فترات الاحتلال.

اعتراف يعيد فتح الجرح العراقي

لا يقتصر تأثير هذا الاعتراف على البعد التاريخي فحسب، بل يمتد إلى الذاكرة الجمعية للعراقيين، الذين لا تزال أحداث 2003 تشكل نقطة انقسام حادة في وعيهم السياسي والاجتماعي.

فالملف يعيد طرح أسئلة شائكة:

  • إلى أي مدى يمكن تبرير التعاون تحت ضغط الاحتلال؟
  • هل كانت الخيارات فردية أم مفروضة بسياق الخوف والتهديد؟
  • وما الثمن الاجتماعي الذي دفعه العراق نتيجة تلك المرحلة؟

خلاصة

يمثل اعتراف نواف الزيدان، بعد 22 عامًا من الصمت، لحظة مفصلية في إعادة قراءة واحدة من أكثر وقائع ما بعد الغزو الأمريكي للعراق حساسية وتعقيدًا.

فبين الوقائع العسكرية، والقرارات الفردية، والمكافآت المالية، والانقسامات الأخلاقية، يعيد هذا التطور تسليط الضوء على كلفة الحرب التي لم تقتصر على القتلى والدمار، بل امتدت إلى تفكيك منظومات القيم، وترك جروح مفتوحة في الذاكرة العراقية لم تندمل حتى اليوم.

تم نسخ الرابط