ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

حرب أوكرانيا على طاولة التسويات الكبرى

مفاوضات السلام تدخل مرحلة مفصلية وسط تباينات حادة بين موسكو وكييف وضغوط أميركية–أوروبية متصاعدة

خلف الحدث

دخلت الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، التي تواصلت لأكثر من ثلاثة أعوام، مرحلة شديدة الحساسية، مع تزايد المؤشرات على تحرّك دبلوماسي نشط تقوده الولايات المتحدة بمشاركة أطراف أوروبية، في محاولة لصياغة إطار سياسي يُفضي إلى وقف إطلاق النار، أو على الأقل تجميد الصراع، في ظل كلفة بشرية واقتصادية وأمنية متصاعدة باتت تثقل كاهل جميع الأطراف.

ورغم هذا الحراك، لا تزال المفاوضات تصطدم بخلافات جوهرية تتعلق بجوهر النزاع نفسه: الأراضي، الضمانات الأمنية، مستقبل الوجود العسكري، وحدود السيادة الأوكرانية، وهي ملفات لم تُظهر الأطراف حتى الآن استعدادًا حقيقيًا للتنازل بشأنها.

أولًا: ملامح المسار التفاوضي الراهن

تشير معطيات متقاطعة من مصادر دبلوماسية وإعلامية دولية إلى أن المحادثات الجارية لا تستهدف – حتى هذه اللحظة – التوصل إلى اتفاق سلام نهائي شامل، بقدر ما تسعى إلى وضع إطار تفاوضي مُدار يقلّص مساحات التصعيد، ويفتح الباب أمام ترتيبات مرحلية.

وتدور هذه المحادثات عبر قنوات متعددة:

  • قنوات مباشرة وغير مباشرة بين واشنطن وموسكو، جرت بعض جولاتها في العاصمة الروسية، وتركزت حول ملامح مقترح أميركي أوسع.
  • تنسيق أميركي–أوكراني مكثف لتقريب وجهات النظر بشأن بنود الخطة المطروحة، في ظل تباينات واضحة بين كييف وواشنطن حول بعض التفاصيل.
  • مشاورات أوروبية موازية لضمان عدم تجاوز المصالح الأوكرانية أو إعادة رسم الخريطة الأمنية للقارة دون توافق جماعي.

ثانيًا: الخطة الأميركية… إطار مرن أم تسوية مُلغّمة؟

بحسب ما تسرّب من دوائر دبلوماسية، فإن الخطة الأميركية المطروحة – والتي خضعت لأكثر من تعديل – تقوم على مقاربة تدريجية، تتضمن:

  • وقفًا مرحليًا لإطلاق النار بضمانات دولية.
  • ترتيبات خاصة بإدارة بعض المناطق المتنازع عليها، دون حسم فوري لمسألة السيادة.
  • آليات رقابة دولية على المنشآت الحساسة، وعلى رأسها محطة زابوريجيا النووية.
  • بحث قضايا الضمانات الأمنية المستقبلية لأوكرانيا، دون التزامات صريحة وفورية بشأن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.

غير أن هذه الخطة، رغم مرونتها الظاهرية، واجهت اعتراضات من الجانبين:

  • روسيا أبدت رفضًا واضحًا لأي صيغة لا تُكرّس مكاسبها الميدانية، أو تفتح الباب لاحقًا لإعادة تموضع عسكري أوكراني بدعم غربي.
  • أوكرانيا اعتبرت بعض البنود غامضة، وقابلة لتأويلات قد تُفضي إلى تثبيت واقع الاحتلال، أو تقييد سيادتها العسكرية والسياسية على المدى الطويل.

ثالثًا: الموقف الروسي… تفاوض تحت سقف القوة

تتعامل موسكو مع المفاوضات من موقع الضغط العسكري والسياسي، مستندة إلى سيطرتها الفعلية على أجزاء من شرق وجنوب أوكرانيا، وإلى قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية بوتيرة متفاوتة.

وقد شددت القيادة الروسية في تصريحات متكررة على أن:

  • مسألة الأراضي “غير قابلة للتفاوض بالمعنى التقليدي”.
  • أي اتفاق يجب أن يتضمن ضمانات قانونية واضحة تمنع توسع الناتو شرقًا.
  • ترتيبات ما بعد الحرب يجب أن تشمل قيودًا على القدرات العسكرية الأوكرانية.

ويعكس هذا الخطاب رغبة روسية في تحويل المفاوضات من مسار “إنهاء حرب” إلى إعادة صياغة توازنات أمنية أوسع في أوروبا الشرقية.

رابعًا: كييف بين الواقعية السياسية وضغط الشارع

في المقابل، يجد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد:

  • القبول بتسوية مؤلمة قد تُنقذ الدولة الأوكرانية من حرب استنزاف طويلة.
  • أو التمسك الكامل بالخطاب السيادي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر استمرار النزاع.

وأكدت القيادة الأوكرانية مرارًا أن أي اتفاق لا يمكن أن يُفرض من الخارج، أو يُمرَّر دون غطاء سياسي وشعبي داخلي، في ظل حساسية الرأي العام الأوكراني تجاه أي تنازل إقليمي.

خامسًا: الدور الأميركي… إدارة الأزمة لا حسمها

تعكس التحركات الأميركية الحالية رغبة واضحة في احتواء الصراع أكثر من السعي لحسمه جذريًا، خاصة مع:

  • الضغوط الداخلية المتزايدة بشأن كلفة الدعم العسكري.
  • القلق من تمدد الصراع إقليميًا أو تحوله إلى مواجهة أوسع مع روسيا.
  • الانشغال الأميركي بملفات دولية أخرى.

وتشير لهجة التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض إلى أن واشنطن تبحث عن “نتائج ملموسة”، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الوصول إلى اتفاق نهائي لا يزال بعيد المنال.

سادسًا: أوروبا… الحذر من «سلام يُفرض من فوق»

أبدت العواصم الأوروبية الكبرى تحفظًا واضحًا على أي مسار تفاوضي يُهمّش الدور الأوكراني، أو يعيد رسم الحدود بالقوة. وترى دول عدة أن:

  • أي اتفاق لا يحظى بقبول كييف الكامل سيظل هشًا.
  • التسويات السريعة قد تفتح الباب أمام أزمات أمنية لاحقة في القارة.

الخلاصة: تسوية مؤجلة أم صراع مُدار؟

تُظهر المعطيات الراهنة أن مفاوضات السلام حول حرب أوكرانيا لم تنضج بعد للوصول إلى اتفاق شامل، لكنها دخلت مرحلة إدارة الصراع بدل تصعيده.

وبينما تواصل موسكو استثمار تفوقها الميداني، وتتمسك كييف بسقف سيادي مرتفع، تحاول واشنطن والأوروبيون رسم مسار وسط، قد لا يُنهي الحرب فورًا، لكنه قد يُعيد تعريفها سياسيًا وعسكريًا.

ويبقى مستقبل هذا المسار مرهونًا بقدرة الأطراف على تجاوز عقدة الأراضي والضمانات الأمنية، وهي العقدة التي لم تكسر بعد، وقد تُبقي الحرب – بصيغ مختلفة – حاضرة في المشهد الأوروبي لسنوات قادمة.

تم نسخ الرابط