التخلية قبل التحلية.. طريق العابدين إلى قبول رب العالمين
رمضان ليس شهراً عابراً في سجل الأيام، ولا محطة زمنية تتكرر ثم تمضي؛ إنه نفحة ربانية، وموسم عطاء إلهي، ومائدة سماوية بسطها الله لأمة محمد ﷺ، تتنزل فيها الرحمات، وتتضاعف فيها الحسنات، وتُفتح فيها أبواب الجنان، وتُغلق أبواب النيران.
هو شهر المنح التي لا تُحصى، والهبات التي لا تُعدّ، شهرٌ يقول فيه رب العزة في الحديث القدسي:
«الصوم لي وأنا أجزي به».
وإذا كان الجزاء من الكريم، فبأي ميزان يُوزن؟ وإذا كان العطاء من رب العالمين، فبأي حدٍّ يُحدّ؟!
في رمضان ليلةٌ ليست كسائر الليالي، بل هي سيدة الليالي، وسيدة الزمان: ليلة القدر، التي جعل الله العمل فيها خيراً من ألف شهر؛ أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنةً من العبادة المتصلة! فأي خسارة أعظم ممن يدرك هذا الموسم ثم يخرج منه كما دخل، لا توبة تُغسله، ولا مغفرة ترفعه؟!
لقد صعد النبي ﷺ المنبر يوماً، فقال: آمين، آمين، آمين. فلما سُئل قال:
«أتاني جبريل، فقال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يُغفر له، قل آمين، فقلت آمين…».
أي خيبة هذه؟! وأي حرمان ذاك؟! أن تُفتح أبواب السماء، وتُبسط موائد الرحمة، ثم يُغلق العبد باب قلبه بيده!
رمضان فرصة لا تتكرر، ومن أدركه هذا العام فليس له عهدٌ بالعام القادم. كم من أناسٍ صاموا معنا رمضان الماضي، وهم اليوم تحت الثرى ينتظرون دعوة صالحة أو صدقة جارية! فاغتنموا اللحظة قبل أن تُطوى الصحائف.
ولكن… هنا موضع الخطر الذي يغفل عنه كثيرون:
رمضان ليس مجرد جوعٍ عن الطعام، ولا امتناعٍ عن الشراب، ولا قيام ليلٍ تُردد فيه الآيات، ثم يبقى القلب مثقلاً بالضغائن، واللسان مُلطخاً بالأعراض، واليد ممدودةً إلى حقوق العباد!
إن من سنن الله أن التحلية لا تسبق التخلية؛
فلا يُملأ الإناء عسلاً حتى يُغسل من الدنس، ولا يُزيَّن القلب بالطاعة حتى يُطهَّر من أدران المعصية.
أتريد مغفرة الله؟ فاغفر لعباده.
أتطمع في عفوه؟ فاعفُ عمن ظلمك.
أتنتظر قبول عملك؟ فطهّر صدرك من الشحناء.
قال ﷺ:
«تُعرض الأعمال يوم الخميس ليلة الجمعة، فلا يُقبل عمل مشاحن ولا قاطع رحم».
فما قيمة صيامٍ يرفعه صاحبه إلى السماء، فيُردّ عليه لأنه يحمل في قلبه خصومة لم يسعَ لإطفائها؟
حتى لو كنت مظلوماً… حتى لو كان الأذى واقعاً عليك… فإن طريق الكبار هو كظم الغيظ، والصبر، والمبادرة بالصفح. ألم يكن أبو بكرٍ رضي الله عنه متألماً حين خاض بعض الناس في عرض ابنته عائشة رضي الله عنها؟ ومع ذلك نزل الأمر الإلهي الرقيق:
«وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ».
فما كان منه إلا أن قال: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي.
وهكذا تكون المعادلة الربانية:
صفحٌ منك… يقابله عفوٌ من الله.
تجاوزٌ منك… يقابله تجاوزٌ من الله.
رحمةٌ منك… يقابلها فيضٌ من رحمته.
يا من يريد ثواب رمضان،
ابدأ بتفريغ قلبك قبل ملئه،
وبغسل صحيفتك قبل تزيينها،
وتحلّل من حقوق العباد، معنويةً كانت أو مادية،
أعد المظالم، اطلب السماح، صِل من قطعك، صافح من خاصمك، امسح دمعة من أسأت إليه… ثم تعال إلى مائدة الطاعة بقلبٍ سليم.
عندها فقط يذوق العبد عسل التحلية:
توبةً صادقة،
ومغفرةً واسعة،
وقبولاً يرفع الدرجات،
وجنةً عرضها السماوات والأرض.
فليكن شعارنا في أول أيام رمضان:
التخلية قبل التحلية…
تطهير القلب قبل تزيينه،
وإصلاح العلاقة بالخلق قبل طلب القرب من الخالق.
فمن طهّر باطنه، زيّن الله ظاهره،
ومن صفّى سريرته، صفّى الله مصيره،
ومن صالح الناس، صالحه الله.
اللهم بلّغنا رمضان، وأعنا فيه على التخلية قبل التحلية، واجعلنا فيه من المقبولين، لا من المحرومين.