ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

النفس الإنسانية في القرآن.. دروس مستفادة من قصص الأنبياء

خلف الحدث

أوضح الدكتور حسن عبد الحميد وتد، أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات العليا بالأزهر الشريف، أن النفس البشرية متعددة الطبائع، وتتجلى في القرآن الكريم في ثلاثة أنواع رئيسية: النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة، مؤكدًا أن فهم هذه الأنواع يساهم في ضبط سلوك الإنسان وتوجيهه نحو الصلاح والتقوى. وأكد عبد الحميد خلال تقديمه برنامج «نورانيات قرآنية» على قناة «صدى البلد»، أن الإنسان إذا لم يحكم نفسه ويكبح جماح رغباته وشهواته فإنها قد تؤدي به إلى الهلاك في الدنيا والآخرة، مشيرًا إلى أن السيطرة على النفس تُعد من أهم مفاتيح النجاح في الحياة الدينية والدنيوية على حد سواء.

وأشار عبد الحميد إلى أن القرآن يصف النفس الأمارة بالسوء بأنها التي تدفع الإنسان إلى المعاصي والانحراف إذا لم يتم ضبطها، مستشهداً بحالات تاريخية مثل قابيل الذي قتل هابيل، وأخوة يوسف عليه السلام الذين تآمروا وظلموا أخاهم، مؤكدًا أن هذه الأمثلة تظهر تأثير النفس الأمارة بالسوء إذا تركت دون ترويض أو رقابة داخلية. وأضاف أن هذه الأمثلة القرآنية ليست مجرد حكايات تاريخية، بل تحمل دروسًا عملية لكل إنسان في كيفية التعامل مع ميول النفس وتوجيهها نحو الخير، مؤكدًا أن الحكمة الإلهية في ترتيب الأمور تظهر من خلال النتائج التي تترتب على أفعال البشر.

وتناول عبد الحميد نموذجًا عمليًا للنفس المطمئنة من خلال قصة يوسف عليه السلام، مشيرًا إلى أن النبي يوسف قد وصل إلى أعلى المناصب في مصر بفضل سلوكه الصالح ومحاسن أخلاقه، كما ذكر في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}. وأوضح أن يوسف أصبح مكينًا أمينًا على خزائن مصر، وذلك لأن تحلي الشخصية بالإحسان والاستقامة منذ الصغر يجلب المكافأة والثقة في الحياة العامة، وهو ما يُعد درسًا في أهمية ترويض النفس وتحقيق التوازن الداخلي بين الرغبات والفضائل.

كما أشار عبد الحميد إلى أن إخوة يوسف، الذين ظلموه في الماضي، اضطروا لاحقًا للتوجه إليه طالبين الطعام بسبب الظروف القاهرة، وهو ما يعكس حكمة الله في ترتيب الأمور وموازنة الحقوق والواجبات بين الناس، حيث لم يتعرفوا عليه في البداية، لكنه استجاب لهم بالعفو ومنحهم ما طلبوه، طالبًا منهم إحضار أخيهم بنيامين لإكمال اللقاء بين العائلة، بما يظهر قدرة النفس المطمئنة على التسامح وضبط الغضب، وتعزيز العدالة الإلهية في مواجهة ظلم الآخرين.

وأكد عبد الحميد أن النفس اللوامة تمثل النوع الثالث، وهي النفس التي تنبّه الإنسان على أخطائه وتدفعه إلى التوبة والإصلاح، مشيرًا إلى أن القرآن يربط هذه النفس بالوعي الذاتي، حيث يشعر الإنسان باللوم الداخلي عند ارتكاب المعاصي ويحثه على الاستقامة، وهو ما يعكس دور العقل والضمير في محاسبة النفس وتوجيهها نحو الخير. وأوضح أن النفس اللوامة توازن بين النفس الأمارة بالسوء والمطمئنة، فهي تنبه الإنسان إلى الانحراف، وتحثه على الرجوع إلى الله، وتعد حلقة وسطى بين الميل إلى الشر والرغبة في الطاعة.

وأضاف عبد الحميد أن القرآن الكريم يقدم هذه الأنواع الثلاثة كخارطة روحية لفهم النفس البشرية، مشيرًا إلى أن التحكم في النفس لا يعني قمع الرغبات الطبيعية، بل توجيهها وضبطها بما يتوافق مع قيم الدين والفضيلة، مؤكدًا أن من تمكن من السيطرة على نفسه فهو ملك لنفسه، ومن تركها للهوى والشهوة فهو معرض للضياع والهلاك.

وأشار عبد الحميد إلى أن فهم هذه الأنواع يساعد الإنسان على تحقيق التوازن النفسي، حيث يتعلم كيف يواجه الرغبات السلبية بالنفس الأمارة بالسوء، وكيف يستمع إلى صوت الضمير والنفس اللوامة، وفي الوقت نفسه يحافظ على الصفاء الداخلي والطمأنينة النفسية للنفس المطمئنة، مؤكدًا أن هذا التوازن هو أساس حياة الإنسان الروحية والاجتماعية.

وتابع عبد الحميد أن قصص الأنبياء في القرآن تأتي لتعليم الإنسان كيفية التعامل مع النفس، سواء في مواجهة الظلم أو الاختبارات أو العلاقات الإنسانية، مؤكدًا أن الاستفادة من هذه الدروس العملية تعزز الإيمان وتقوي الإرادة، وتساعد على بناء شخصية متوازنة تستطيع مواجهة تحديات الحياة اليومية بكل صبر وثبات.

وأوضح عبد الحميد أن تطبيق مفاهيم النفس الثلاثة في الحياة اليومية يساعد على تحسين العلاقات مع الآخرين، والتحكم في الانفعالات، والالتزام بالواجبات الدينية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن النفس المطمئنة تُعد الهدف الأسمى للإنسان، وهي التي تجعل الشخص مستقرًا نفسيًا وقادرًا على العطاء والرحمة، بينما النفس الأمارة بالسوء هي اختبار لإرادة الإنسان وقدرته على الصمود، والنفس اللوامة هي صديق الإنسان الذي يوجهه نحو الصواب ويمنعه من الانحراف.

واختتم عبد الحميد حديثه بالتأكيد على أن مراقبة النفس ومحاسبتها باستمرار، والتفكر في قصص الأنبياء، تمثل منهجًا عمليًا لفهم النفس البشرية وتحقيق النمو الروحي والأخلاقي، مشيرًا إلى أن الإنسان الذي يوفق في السيطرة على رغباته وشهواته ويوازن بين النفس الأمارة والسلوكية المطمئنة، يكون قد بلغ درجة عالية من الحكمة والصلاح في الدنيا والآخرة.

تم نسخ الرابط