أقنعة الكِبر تسقط.. كيف كشف القرآن حقيقة المتطاولين على مقام الألوهية؟
أكد الدكتور حسن عبد الحميد، أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات العليا في جامعة الأزهر، أن القرآن الكريم يحمل في آياته العديد من المعاني الإيمانية العميقة التي تدعو الإنسان إلى التفكر في حقيقة الإيمان بالله سبحانه وتعالى، كما يكشف بوضوح خطورة الكبر والتطاول على مقام الألوهية من خلال عرض نماذج واقعية من مواقف الكافرين والمشركين.
وأوضح عبد الحميد، خلال حديثه في برنامج «نورانيات قرآنية» المذاع على قناة صدى البلد، أن القرآن الكريم لا يكتفي بعرض الأحكام الشرعية أو القصص التاريخية، بل يقدم أيضًا منهجًا فكريًا متكاملًا يعتمد على الحجة والمنطق في مخاطبة عقل الإنسان، حتى يدرك حقيقة التوحيد ويبتعد عن الشرك والضلال.
أعظم الظلم: الكذب على الله
وأشار الدكتور حسن عبد الحميد إلى قول الله تعالى:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾، موضحًا أن هذه الآية تؤكد أن أعظم أنواع الظلم هو الافتراء على الله سبحانه وتعالى أو تكذيب الحق عندما يظهر بوضوح.
وبيّن أن الكذب على الله يشمل العديد من الصور، مثل ادعاء وجود شركاء لله، أو نسبة الزوجة والولد إليه، أو تحريف الحقائق الدينية من أجل تبرير الضلال.
وأضاف أن القرآن الكريم يوضح أن من يرتكب مثل هذه الأفعال إنما يقع في أعظم صور الظلم، لأنه يعتدي على أقدس القضايا وهي قضية الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
خصومة البشر يوم القيامة
ولفت أستاذ التفسير وعلوم القرآن إلى أن الآيات التي سبقت هذه الآية تشير إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث يقف الناس جميعًا أمام الله سبحانه وتعالى ليحاسَبوا على أعمالهم.
وأوضح أن القرآن يصور هذا المشهد بوضوح شديد، حيث يختصم الناس أمام ربهم، ويحاول كل إنسان أن يدافع عن نفسه أو يبرر أفعاله، سواء كان على حق أو على باطل.
وأشار إلى أن هذا المشهد يذكر الإنسان بأن العدالة الإلهية لا يمكن الهروب منها، وأن كل إنسان سيقف يومًا ما بين يدي الله ليحاسب على ما قدم في حياته من أعمال.
تناقض المشركين في الاعتقاد
كما تناول الدكتور حسن عبد الحميد التناقض الواضح في مواقف مشركي مكة، موضحًا أنهم كانوا يعترفون بأن الله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض ومدبر الكون، لكنهم في الوقت نفسه كانوا يعبدون الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا ضرًا.
وأكد أن هذا التناقض يكشف ضعف الحجة لدى المشركين، لأن الاعتراف بقدرة الله المطلقة ينبغي أن يقود الإنسان إلى عبادته وحده دون شريك.
وأضاف أن القرآن الكريم يعرض هذا التناقض بأسلوب منطقي من خلال طرح تساؤلات واضحة، منها: هل تستطيع هذه المعبودات الباطلة أن تدفع ضرًا عن الإنسان إذا أراد الله به سوءًا؟ أو أن تجلب له نفعًا إذا أراد الله به خيرًا؟
وأوضح أن الإجابة الواضحة عن هذه التساؤلات هي أن الله وحده هو القادر على كل شيء، بينما لا تملك هذه الأصنام أي قدرة أو تأثير في حياة الإنسان.
حقيقة الموت في القرآن
وتطرق الدكتور حسن عبد الحميد إلى آية أخرى تحمل معاني إيمانية عميقة، وهي قول الله تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وأوضح أن هذه الآية تذكر الإنسان بحقيقة الموت التي لا يمكن لأي إنسان أن يهرب منها، حيث تؤكد أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتوفى الأنفس عند موتها، كما أنه يمسك روح من قضى عليه الموت ويرسل روح من لم يحن أجله بعد.
وأشار إلى أن هذه الحقيقة تدعو الإنسان إلى التفكر في مصيره والاستعداد للقاء الله من خلال العمل الصالح والابتعاد عن المعاصي.
اغتنام الحياة قبل فوات الأوان
وأكد أستاذ التفسير أن الإنسان يعيش بين أجلين؛ أجل مضى لا يعلم ماذا كتب الله له فيه، وأجل قادم لا يعرف ما الذي ينتظره فيه، ولذلك يجب عليه أن يغتنم حياته وشبابه وصحته قبل أن يفاجئه الموت.
وأوضح أن كثيرًا من الناس يؤجلون التوبة والعمل الصالح، ظنًا منهم أن أمامهم وقتًا طويلًا، لكن الحقيقة أن الموت قد يأتي في أي لحظة دون سابق إنذار.
وأضاف أن ما بعد الموت لا يوجد فيه عمل أو فرصة للتدارك، بل ينتقل الإنسان مباشرة إلى مرحلة الحساب والجزاء، حيث يكون مصيره إما الجنة وإما النار.
علامة الإيمان في القلب
وفي سياق حديثه عن دلائل الإيمان الحقيقي، أشار الدكتور حسن عبد الحميد إلى قول الله تعالى:
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
وأوضح أن هذه الآية تكشف علامة واضحة تميز بين المؤمن وغير المؤمن، فالمؤمن الحقيقي يطمئن قلبه بذكر الله ويجد الراحة في سماع القرآن الكريم، بينما يشعر غير المؤمن بالضيق والانزعاج عندما يسمع ذكر الله.
وأشار إلى أن هذه الحالة تعكس ما في القلوب من إيمان أو نفاق، لأن القلب الصادق يتجه بطبيعته إلى الله ويأنس بذكره.
القرآن دعوة دائمة للتفكر
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور حسن عبد الحميد على أن القرآن الكريم يدعو الإنسان باستمرار إلى التفكر والتدبر في آياته، لأن ذلك يساعده على فهم الحقائق الكبرى المتعلقة بالإيمان والحياة والموت والآخرة.
وأوضح أن التدبر في القرآن يجعل الإنسان أكثر وعيًا بحقيقة وجوده في هذه الحياة، ويدفعه إلى مراجعة نفسه وتصحيح مساره قبل فوات الأوان.
خلاصة التقرير
تكشف الآيات القرآنية التي تناولها الدكتور حسن عبد الحميد عن منهج واضح في مواجهة الكبر والتطاول على مقام الألوهية، حيث يبين القرآن أن أعظم الظلم هو الكذب على الله وتكذيب الحق عندما يظهر للناس.
كما تذكر هذه الآيات الإنسان بحقيقة الموت والآخرة، وتدعوه إلى اغتنام حياته في العمل الصالح والاستعداد للقاء الله، مؤكدة أن الإيمان الحقيقي يظهر في موقف القلب من ذكر الله والتعلق به.
وبذلك يظل القرآن الكريم كتاب هداية يوقظ العقول والقلوب، ويكشف للإنسان حقيقة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه في حياته، حتى ينجو في الدنيا والآخرة.