نزار قباني.. الشاعر الذي طاردته الحكومات واحتضنته الشعوب وصار صوت الحب والحرية
تحل اليوم الخميس الموافق 30 أبريل ذكرى رحيل واحد من أبرز القامات الأدبية في العصر الحديث، الشاعر السوري الكبير نزار قباني الذي غادر عالمنا في العاصمة البريطانية لندن عام 1998، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً ضخماً لا يزال ينبض بالحياة في قلوب الملايين من المحيط إلى الخليج.
ورغم مرور سنوات طويلة على غيابه الجسدي، إلا أن نزار قباني لا يزال حاضراً بقوة كونه الشاعر الذي استطاع بعبقرية نادرة أن يدمج بين رقة الغزل وقسوة النقد السياسي، محولاً اللغة العربية من قوالبها الجامدة إلى مفردات يومية تلامس مشاعر البسطاء والمثقفين على حد سواء، وقد عاد جثمانه في رحلته الأخيرة ليوارى الثرى في مسقط رأسه دمشق، المدينة التي عشقها ونظم فيها أجمل قصائده، ليبقى ياسمينها شاهداً على وفائه لترابها الذي استمد منه عطر كلماته الأولى.
الجذور الدبلوماسية والولادة في حضن دمشق
وُلد نزار بن توفيق القباني في قلب دمشق القديمة عام 1923، لأسرة عربية عريقة عُرفت باهتمامها بالثقافة والنضال الوطني، وقد ترعرع في بيت دمشقي تقليدي يفوح منه عبق الياسمين، وهو ما انعكس لاحقاً على لقبه الشهير "شاعر الياسمين".
تلقى نزار تعليمه الجامعي في الجامعة السورية حيث درس الحقوق وتخرج فيها عام 1945، وبدأ مسيرة مهنية لافتة في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية، حيث تنقل بين كبرى العواصم العالمية، فعمل في السفارة السورية بالقاهرة التي كانت محطته الأولى، ثم انتقل ليعمل سفيراً في لندن عام 1952، وبعدها في أنقرة، ثم الصين عام 1958، وصولاً إلى مدريد بين عامي 1962 و1966، وهذه الرحلات الدبلوماسية لم تكن مجرد وظائف رسمية، بل كانت روافد ثقافية صقلت تجربته الشعرية ومنحته نظرة شمولية للحياة والإنسان، حتى قرر في عام 1966 تقديم استقالته والتفرغ التام لمحبوبته الأولى وهي القصيدة، مؤسساً في بيروت دار "منشورات نزار قباني" التي أصبحت منطلقاً لإبداعاته اللاحقة.
التحولات الفنية من الرومانسية إلى زلزال السياسة
بدأت مسيرة نزار قباني الإبداعية بإصدار ديوانه الأول "قالت لي السمراء" عام 1944، وهو الديوان الذي أحدث ضجة كبيرة حينها لجرأته في تناول مواضيع الغزل، وتوالت بعده النجاحات حتى بلغت مؤلفاته أكثر من 35 ديواناً، تنوعت بين "طفولة نهد" و"الرسم بالكلمات" وغيرها من الروائع التي كسب بها لقب "شاعر المرأة" بلا منازع.
ومع ذلك، لم تكن الرومانسية هي المسار الوحيد لنزار، فقد شكلت هزيمة عام 1967 (النكسة) مفصلاً تاريخياً ونفسياً في حياته، حيث انتقل من وصف مفاتن المرأة إلى تشريح عيوب المجتمع والأنظمة السياسية، فجاءت قصيدته المدوية "هوامش على دفتر النكسة" لتفجر عاصفة من الجدل في الوطن العربي، وصلت إلى حد منع تداول أشعاره في بعض وسائل الإعلام العربية، لكنه لم يتراجع، بل استمر في نهجه السياسي اللاذع، منتقداً حالة الركود العربي، وصارت قصائده مثل "متى يعلنون وفاة العرب؟" صرخة في وجه الواقع المرير الذي تعيشه الأمة.
مآسي نزار قباني.. جراح خلف الكلمات الجميلة
وراء تلك الكلمات العذبة والقصائد الثائرة، عاش نزار قباني حياة مليئة بالانكسارات والمآسي الشخصية التي تركت ندوباً عميقة في روحه وشعره، فكانت البداية مع انتحار شقيقته الكبرى في صباه بعد أن أُجبرت على الزواج من رجل لا تحبه، وهي الحادثة التي يُعتقد أنها كانت المحرك الأساسي لثورته من أجل حرية المرأة.
ثم جاءت الفاجعة الكبرى بمقتل زوجته العراقية "بلقيس الراوي" في تفجير استهدف السفارة العراقية في بيروت عام 1981، تلك المرأة التي وصفها بأنها كانت "واحة حياته"، فرثاها بقصيدة "بلقيس" التي تعد من أطول وأصدق مراثيه السياسية والعاطفية، ولم تتوقف أحزانه عند هذا الحد، بل فقد ابنه الشاب "توفيق" الذي كان يدرس الطب في القاهرة، فرثاه بمرارة في قصيدة "الأمير الخرافي"، هذه السلسلة من الأحزان جعلت من شعر نزار مزيجاً فريداً من الحب والألم، والتمرد على الموت بالكلمة الخالدة.
مدرسة التجديد الشعري وصوت العمالقة
يُحسب لنزار قباني أنه كان جسراً بين الأصالة والحداثة، فقد بدأ بكتابة الشعر العمودي التقليدي وأبدع فيه، لكنه سرعان ما انتقل إلى شعر التفعيلة، متبنياً لغة بسيطة وأنيقة في آن واحد، عُرفت بـ "اللغة النزارية" التي تقترب من لغة الشارع دون أن تفقد رقيها الأدبي، وهذا التفرد جعل قصائده مطمعاً لكبار المطربين العرب الذين تسابقوا لتحويل كلماته إلى أنغام تسكن الوجدان، فغنت له كوكب الشرق أم كلثوم "أصبح عندي الآن بندقية".
وشدا العندليب عبد الحليم حافظ برائعتيه "رسالة من تحت الماء" و"قارئة الفنجان"، كما تألقت نجاة الصغيرة في "ماذا أقول له" و"أسألك الرحيلا"، وأبدعت السيدة فيروز في "لا تسألوني ما اسمه حبيبي"، وصولاً إلى ماجدة الرومي التي قدمت "كلمات" و"بيروت ست الدنيا"، بينما شكّل كاظم الساهر الثنائي الأكثر شهرة مع نزار، حيث غنى له أكثر من 40 قصيدة مثل "زيديني عشقاً" و"مدرسة الحب"، مما ساهم في ترسيخ عبقرية نزار لدى الأجيال الشابة، ليظل صوته مسموعاً عبر كل الحناجر التي تنشد للحب والوطن.