مصر والهند.. شراكة استراتيجية عابرة للقارات وآفاق اقتصادية واعدة في البريكس
شهدت العاصمة الهندية نيودلهي اليوم الخميس لقاءً رفيع المستوى جمع بين الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج وبين ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند الموقر.
جاء هذا الاجتماع الهام بمشاركة واسعة من وزراء خارجية الدول الأعضاء في تجمع البريكس والدول الشريكة على هامش الاجتماع الوزاري للمجموعة الذي تستضيفه الهند حالياً لتعزيز العمل متعدد الأطراف.
وقد حرص الوزير عبد العاطي في مستهل اللقاء على نقل تحيات وتقدير فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئيس الوزراء الهندي تأكيداً على عمق الروابط التاريخية.
كما أعرب الوزير عن الاعتزاز البالغ بالتطور النوعي واللافت الذي تشهده العلاقات الثنائية بين القاهرة ونيودلهي في مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة.
تجسد هذا التطور الملحوظ في تكرار تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين والتي أسفرت عن رفع مستوى العلاقات الرسمية إلى درجة الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وأشاد وزير الخارجية بانطلاق الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين والمقرر في عام 2025 كخطوة مؤسسية تضمن استمرارية التنسيق والتشاور الوثيق حول القضايا المشتركة.
أكد الوزير المصري خلال المباحثات حرص الدولة المصرية على عقد هذا الحوار بشكل دوري ومنتظم بالتناوب بين القاهرة ونيودلهي لضمان متابعة تنفيذ الاتفاقيات المبرمة.
وشدد عبد العاطي على الأهمية القصوى لتبادل الرؤى والأفكار الخلاقة لتعزيز التعاون الثنائي في إطار هذه الآلية المستحدثة خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية الحيوية للطرفين.
النهوض بالعمل الاقتصادي المشترك
انتقل اللقاء إلى مناقشة الملفات الاقتصادية حيث أكد الوزير عبد العاطي اهتمام الحكومة المصرية بالتوسع في آفاق التعاون مع الجانب الهندي لزيادة معدلات النمو المشترك.
وتطرق الحديث إلى العمل الجاد على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين ليصل إلى مستهدف 12 مليار دولار أمريكي خلال السنوات الخمس المقبلة وفق رؤية طموحة.
واستعرض الوزير أمام رئيس الوزراء الهندي حزمة الإصلاحات الهيكلية والاقتصادية الشاملة التي نفذتها الدولة المصرية لتهيئة بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة لجميع الشركات العالمية.
وأوضح عبد العاطي أن السياسة النقدية الجديدة ونظام سعر الصرف المرن ساهما بشكل مباشر في تحسن مؤشرات الأداء الكلي ورفع التصنيف الائتماني لمصر في المؤسسات الدولية.
تناول اللقاء أيضاً سبل تعزيز التعاون في مجال الربط اللوجستي والممرات التجارية الدولية لما تمتلكه مصر من موقع جغرافي فريد يربط بين الشرق والغرب بفعالية.
وسلط الوزير الضوء على البنية التحتية المتطورة التي تمتلكها مصر والتي تتيح الربط السلس بين البحرين الأحمر والمتوسط عبر مشروعات قومية عملاقة تخدم التجارة العالمية.
كما تم التأكيد على الدور المحوري لقناة السويس كأهم شريان ملاحي في العالم يوفر الوقت والتكلفة لحركة التجارة الدولية بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا بشكل مستدام.
وأشار عبد العاطي إلى أن مصر تسعى لتعظيم الاستفادة من هذه الإمكانيات بالتعاون مع الشركاء الاستراتيجيين مثل الهند لدعم سلاسل الإمداد العالمية ومواجهة التحديات اللوجستية الراهنة.
رؤية مشتركة للأزمات الإقليمية
في سياق متصل تناول اللقاء تطورات الأوضاع الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على حالة الأمن والسلم الدوليين في ظل الصراعات الحالية.
واستعرض الوزير عبد العاطي الجهود الدبلوماسية والسياسية الحثيثة التي تبذلها الدولة المصرية لخفض حدة التصعيد واحتواء بؤر التوتر المشتعلة في الإقليم لضمان استقرار المنطقة.
وشدد الوزير على ضرورة التمسك التام بالمسارات التفاوضية والدبلوماسية كسبيل وحيد لتسوية الأزمات وتجنب الانزلاق نحو مواجهات عسكرية واسعة النطاق تهدد المكتسبات التنموية.
وفيما يخص القضية الفلسطينية أكد عبد العاطي على الموقف المصري الثابت بضرورة استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة السلام المقترحة لإنهاء المعاناة الإنسانية المتفاقمة.
وطالب وزير الخارجية بضمان تدفق المساعدات الإنسانية والطبية والإغاثية إلى قطاع غزة دون أية قيود أو عوائق تفرضها القوة القائمة بالاحتلال لتلبية الاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أهمية التمهيد الفوري لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار وتمكين اللجنة الوطنية الفلسطينية من الاضطلاع بكافة مسؤولياتها الإدارية والخدمية داخل القطاع المنكوب جراء الحرب.
كما شدد على أن الوصول إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين هو المفتاح الحقيقي لتحقيق الاستقرار والأمن الدائمين في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح عبد العاطي أن مصر ستظل ملتزمة بدورها التاريخي والعروبي في دعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفق المرجعيات الدولية.
تقدير هندي للدور المصري المحوري
من جانبه طلب ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي نقل تحياته الصادقة وتقديره الكبير إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مثمناً الروابط الأخوية التي تجمعهما.
وأثنى مودي بعبارات قوية على الحكمة البالغة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في التعامل مع مختلف التحديات الإقليمية والدولية المعقدة التي تواجه المنطقة والعالم.
أكد رئيس وزراء الهند اعتزاز بلاده الشديد بعلاقة الصداقة التاريخية والوطيدة التي تجمعها بمصر والتي تمثل نموذجاً يحتذى به في العلاقات الدولية المبنية على الاحترام.
وأشار إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ستشهد انطلاقة كبرى في كافة المجالات بما يحقق المصالح المشتركة للشعبين المصري والهندي الصديقين في المستقبل القريب.
كما أشاد مودي بالجهود المصرية الجبارة والمستمرة لدعم السلام والأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط واصفاً مصر بأنها رمانة الميزان وصمام الأمان للاستقرار الإقليمي.
وأعرب عن تطلع الهند لتكثيف التنسيق مع مصر في إطار تجمع البريكس والمنظمات الدولية الأخرى لتعزيز صوت دول الجنوب في المحافل الدولية الاقتصادية والسياسية المختلفة.
اختتم اللقاء بتأكيد الجانبين على أهمية استمرار التواصل الفعال والمستمر بين المسؤولين في البلدين لمتابعة ما تم الاتفاق عليه وترجمته إلى واقع ملموس يخدم التنمية.
واتفق الطرفان على أن المرحلة المقبلة ستشهد زخماً كبيراً في التعاون الفني والتقني بما يساهم في نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المتقدمة في كلا البلدين الصديقين.