زلزال بقوة 5.4 درجة يضرب غرب تشيلي وسط مخاوف مستمرة في حزام النار بالمحيط الهادي
سجلت المراصد الجيولوجية العالمية هزّة أرضية جديدة وارتداداً تكتونياً عنيفاً في الجزء الغربي من أراضي جمهورية تشيلي الواقعة في قارة أمريكا الجنوبية اليوم الإثنين الموافق الثامن عشر من شهر مايو لعام 2026 ميلادياً، حيث ضرب زلزال بلغت قوته نحو 5.4 درجة على مقياس ريختر الدولي لقياس شدة الهزات الأرضية مسبباً حالة من الذعر والترقب بين سكان المناطق الساحلية القريبة من بؤرة النشاط، وأكدت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في بيان عاجل وصادر عنها عقب الرصد بدقائق أن مركز هذا الزلزال يقع بدقة على عمق ضئيل ونسبياً يصل إلى 10 كيلومترات فقط تحت سطح القشرة الأرضية.
يعد هذا العمق الضحل من العوامل الأساسية التي تزيد من احتمالية شعور المواطنين بالهزة الأرضية بقوة وتضاعف من فرص حدوث تصدعات في المباني القديمة والمنشآت القريبة، وتواصل فرق الدفاع المدني والسلطات المحلية في تشيلي تقييم الموقف الميداني ورصد أي خسائر مادية أو بشرية محتملة قد نجمت عن هذه الهزة المفاجئة وسط تحذيرات مستمرة للسكان بضرورة توخي الحذر والالتزام التام بالتعليمات الوقائية الرسمية المعتمدة، ولا سيما أن هذه الهزة تأتي ضمن سلسلة متلاحقة ومقلقة من الأنشطة الزلزالية التي تضرب سواحل البلاد بصورة دورية ومستمرة طوال الفترة الأخيرة.
التفسير العلمي لموقع تشيلي الجغرافي في قلب منطقة حزام النار
يرجع السبب الرئيسي والأساسي وراء تعرض دولة تشيلي لهذا الكم الهائل والمتكرر من الهزات الأرضية والأنشطة البركانية العنيفة إلى موقعها الجغرافي المعقد والفريد الحساس للغاية، حيث تقع البلاد بالكامل في قلب المنطقة الجيولوجية الأخطر عالمياً والتي تُعرف باسم "حزام النار" وهو عبارة عن قوس ضخم ومتصل من التصدعات والإنكسارات الأرضية والخطوط التكتونية النشطة التي تحيط بحوض المحيط الهادي، وتتحرك الصفائح الأرضية في هذه المنطقة بشكل مستمر ومستعر مما يؤدي إلى توليد طاقات حركية هائلة تنفجر على شكل زلازل مدمرة وبراكين ثائرة بصفة دائمة.
تشهد هذه المنطقة التكتونية الشائكة التقاء صفيحة "نازكا" البحرية مع صفيحة أمريكا الجنوبية القارية مما يسبب انزلاقاً مستمراً للصفيحة الأولى تحت الثانية في عملية جيولوجية معقدة، وينتج عن هذا الاحتكاك المتواصل تراكم هائل وضخم للضغوط الداخلية في باطن الأرض والتي تتحرر بشكل مفاجئ مسببة هزات أرضية متفاوتة الشدة والقوة، وتحتل تشيلي بسبب هذا الوضع الجيولوجي الصعب المرتبة الأولى عالمياً كواحدة من أكثر الدول عرضة للوارث الطبيعية الناجمة عن تحركات الأرض مما يفرض عليها تحديات بنائية واقتصادية مستمرة.
رصد الهزات الأرضية الأخيرة في منطقة بيو-بيو والتباين في قراءات المراكز الدولية
لم تكن هزة اليوم هي الأولى من نوعها خلال هذا الشهر بل سبقتها هزة أرضية عنيفة أخرى جرى تسجيلها في العاشر من شهر مايو/أيار الجاري لعام 2026، حيث ذكر المركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل في تقريره الفني وقتها أن زلزالاً بلغت شدته 5.8 درجة على مقياس ريختر ضرب بالقرب من سواحل وسط تشيلي وهز بقوة منطقة بيو-بيو، وأوضح المركز الأوروبي في قراءته الأولية للحدث أن الزلزال وقع على عمق 23 كيلومتراً تحت سطح البحر مما ساهم في تقليص حجم الأضرار المادية المباشرة على اليابسة.
وفي المقابل تماماً من هذه القراءة العلمية، أعلن المركز الألماني لبحوث علوم الأرض تقريراً مغايراً ومختلفاً نسبياً يشير إلى أن ذلك الزلزال وقع على عمق ضئيل لم يتجاوز 10 كيلومترات فقط، وحدد المركز الألماني بدقة متناهية مركز الزلزال عند التقاء خط عرض 37.70 درجة جنوباً وخط طول 73.19 درجة غرباً في عمق المياه الإقليمية للمحيط الهادي، ويعكس هذا التباين الطفيف في تقدير الأعماق بين المراكز الدولية طبيعة التحديات التقنية التي تواجه علماء الجيولوجيا في تحديد البؤر الزلزالية بدقة متناهية أثناء وقوع الحوادث البحرية.
السجل التاريخي الأسود للكوارث الزلزالية في تشيلي وذكرى زلزال فالديفيا 1960
يعيد زلزال اليوم إلى أذهان الشعب التشيلي والعالم أجمع الذكريات الأليمة والكارثية للزلازل الكبرى التي ضربت البلاد في العقود الماضية وتركت ندوباً غائرة في الاقتصاد والبنية التحتية، ومن أبرز هذه الأحداث الكارثية ما جرى في عام 2010 عندما ضرب زلزال مدمّر بلغت قوته 8.8 درجة على مقياس ريختر مناطق وسط وجنوب تشيلي، وتبعته على الفور موجات مد بحرية عاتية ومدمرة "تسونامي" اجتاحت المدن الساحلية وتسببت في مقتل أكثر من 500 شخص وتشريد مئات الآلاف من المواطنين وتدمير موانئ كاملة.
ولكن الكارثة الأكبر والأقوى على مر التاريخ البشري المكتوب تظل مسجلة باسم "زلزال فالديفيا 1960" أو ما يُعرف عالمياً بزلزال تشيلي الكبير الذي وقع مساء يوم الأحد الثاني والعشرين من مايو لعام 1960، وصنف هذا الزلزال التاريخي والرهيب بنحو 9.5 درجة على مقياس درجة العزم ليكون أقوى وأعنف زلزال جرى تسجيله ورصده على الإطلاق فوق سطح كوكب الأرض منذ بدء استخدام أجهزة الرصد، ونتجت عنه أمواج تسونامي عابرة للمحيطات تضررت منها دول بعيدة مثل هاواي واليابان والفلبين ونيوزيلندا وأستراليا وألاسكا.
حجم الخسائر البشرية والاقتصادية الممتدة لزلزال تشيلي الكبير وتأثيراته العالمية
لا تزال الحصيلة النهائية والرسمية لأعداد القتلى والخسائر المالية الناجمة عن كارثة عام 1960 التاريخية تثير جدلاً واسعاً بين المؤرخين والمنظمات الدولية لعدم دقة التوثيق وقتها، حيث تراوحت التقديرات المنشورة للعدد الإجمالي للوفيات الناجمة عن الزلزال وأمواج التسونامي المصاحبة له بين 1000 و 6000 قتيل نتيجة انهيار المباني والغرق، أما على الصعيد الاقتصادي والمالي فقد بلغت قيمة الخسائر المادية المباشرة ما بين 400 إلى 800 مليون دولار أمريكي في ذلك الوقت وهو ما يعادل مليارات الدولارات بالقيمة الشرائية الحالية.
دفعت هذه الكوارث المتعاقبة الدولة التشيليّة إلى تطوير واحدة من أقوى وأحدث كودات البناء المقاوم للزلازل على مستوى العالم بأكمله بالإضافة لتأسيس شبكة إنذار مبكر متطورة للحد من مخاطر أمواج تسونامي البحرية، وتساهم هذه الإجراءات الهندسية الوقائية الصارمة في تقليص الخسائر البشرية بشكل ملحوظ عند وقوع هزات متوسطة مثل هزة اليوم التي بلغت قوتها 5.4 درجة، لتظل تشيلي بفضل وعيها العلمي قادرة على التكيف مع طبيعتها الجيولوجية القاسية وحماية مواطنيها ومقدراتها الاقتصادية والابتكارية خلال السنوات المقبلة لعام 2026 وما يليه.