بعد تراوح سعرها ما بين 50 إلى 70 جنيهاً.. الأسباب الحقيقية وراء جنون أسعار الطماطم بأسواق التجزئة
شهدت أسواق الخضروات المحلية بمصر موجة ارتفاع قياسية وغير مسبوقة في أسعار الطماطم خلال تعاملات عام 2026، حيث قفز سعر الكيلو جرام الواحد ليتراوح ما بين 50 إلى 70 جنيهاً بحسب المنطقة السكنية وآليات العرض والطلب المتغيرة، في حين سجل سعر "القفص" بأسواق الجملة الرئيسية كأكتوبر والعبور مستويات قياسية لتتراوح ما بين 600 إلى 1200 جنيه وفقاً لمستوى الجودة ونظافة المحصول.
وأثار هذا الارتفاع المفاجئ والحاد حالة من القلق والتساؤلات الواسعة بين المستهلكين حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الأزمة المفاجئة، وموعد عودة الأسعار إلى معدلاتها الطبيعية، خاصة وأن الطماطم تعد من السلع الاستراتيجية الحيوية التي لا غنى عنها في المائدة المصرية اليومية بمختلف الطبقات الاجتماعية.
وأرجع خبراء القطاع الزراعي هذه القفزة السعرية الكبيرة إلى مجموعة معقدة من العوامل المناخية، والبيولوجية، والاقتصادية المتشابكة، والتي أثرت بشكل مباشر وتدريجي على حجم المحصول الإجمالي المعروض محلياً بالأسواق، مما أدى إلى اختلال التوازن بين كمية الإنتاج وحجم الاستهلاك المتزايد.
فاصل العروات والآفات الزراعية والمبيدات المغشوشة
وتأتي التغيرات المناخية وفترة "فاصل العروات" في مقدمة الأسباب، حيث تسببت التقلبات الجوية الحادة وغير المستقرة في إطالة الفترة الفاصلة بين العروتين الشتوية والصيفية، وفترة نقص المعروض التي كانت تقتصر سابقاً على شهري أكتوبر ونوفمبر، امتدت هذا العام بشكل استثنائي لتشمل الفترة من فبراير وحتى مايو، مما أدى إلى تراجع حاد ومفاجئ في معدلات الإنتاج اليومية.
كما تضمنت الأسباب اللوجستية انتشار آفة "توتا أبسلوتا" الفتاكة وسوسة الطماطم التي ضربت مساحات واسعة من زراعات الوجهين البحري والقبلي، مما ألحق أضراراً بالغة بجودة وكمية المحصول الصالح للاستهلاك، وعمق من الأزمة لجوء بعض المزارعين إلى استخدام مبيدات مغشوشة وغير مطابقة للمواصفات بدلاً من الموصى بها رسمياً، مما أفقد السيطرة على انتشار الآفة.
ومن جانبه، أكد حسين أبو صدام نقيب الفلاحين في تصريحات، أن انكماش المساحات الإجمالية المخصصة لزراعة الطماطم هذا الموسم ساهم بشكل أساسي في خفض معدلات الإنتاج مقارنة بحجم الاستهلاك المحلي المرتفع، لافتاً إلى أن أصحاب التعاقدات التصديرية الكبرى كثفوا من تصدير كميات ضخمة من الطماطم عالية الجودة للخارج للاستفادة من العوائد الدولارية المرتفعة.
الحلقات الوسيطة وتكلفة الشحن تضاعف السعر النهائي
وأشار نقيب الفلاحين إلى عامل اقتصادي هام يتمثل في تعدد الحلقات الوسيطة وارتفاع تكاليف النقل البري، حيث يساهم مرور المحصول بعدة وسائط تجارية وسماسرة من الأرض الزراعية وصولاً للمستهلك النهائي، إلى جانب قفزة أسعار الشحن ونولون السيارات، في مضاعفة السعر النهائي بشكل ملحوظ يثقل كاهل المواطنين ويحرم المزارع الصغير من العائد العادل.
وينصح خبراء أسواق المال والزراعة المستهلكين بعدم التسرع في شراء كميات كبيرة أو اللجوء لتخزين الطماطم خلال الأيام الحالية، مؤكدين أن الضغط المتزايد على الطلب يمنح بعض التجار الجشعين مبرراً لاستمرار الارتفاع واحتكار السلعة، بينما الهدوء والعقلانية في الشراء سيعجلان بضبط الأسعار وإعادة التوازن لآليات السوق.
وفي مقابل هذه الموجة من الارتفاع، حملت تصريحات الخبراء نبرة تفاؤل قوية بقرب حدوث انفراجة شاملة بالأسواق، حيث من المتوقع أن تشهد الأسواق تحسناً ملحوظاً وتراجعاً تدريجياً وسريعاً في الأسعار خلال أقل من أسبوعين من الآن، لتعود الحركة التجارية إلى طبيعتها المعتادة بجميع المحافظات.
العروة الصيفية تقود الأسعار لهبوط حاد لـ 5 جنيهات
وتأتي هذه التوقعات الإيجابية والمبشرة مع بدء طرح إنتاج "العروة الصيفية" الجديدة في الأسواق، والتي ستؤدي – مع ارتفاع درجات الحرارة الحالي – إلى سرعة نضج المحصول وزيادة المعروض بكميات ضخمة وضخمة جداً، الأمر الذي قد يهبط بسعر الكيلو مجدداً ليتراوح حول معدل 5 جنيهات فقط، ليعيد لـ "المجنونة" استقرارها السعري المعروف.
وتكثف الأجهزة الرقابية بوزارة التموين والتجارة الداخلية حملاتها على أسواق الجملة والتجزئة لضبط المتلاعبين بالأسعار ومراقبة هوامش الربح، بالتزامن مع التوسع في فتح المنافذ الممتدة لبيع الخضروات والسلع الغذائية بأسعار مخفضة تابعة للقوات المسلحة ووزارة الداخلية لتخفيف العبء عن كاهل الأسر المصرية طوال فترة فواصل العروات.
ويؤكد خبراء الاقتصاد الزراعي أن هذه الأزمة العابرة تستوجب وضع استراتيجية وطنية مستدامة لإدارة منظومة إنتاج وتسويق الخضروات، من خلال تفعيل الزراعة التعاقدية وإنشاء مستودعات تبريد عملاقة قادرة على تخزين الفائض من المحاصيل الطازجة، بما يضمن حماية المستهلك من التقلبات السعرية الحادة وحماية الفلاح من خسائر الآفات المناخية المفاجئة.