كانت رحلتي مع الصحافة أشبه بنهر طويل، تتبدل على ضفتيه الوجوه والأحداث والأنظمة، بينما تبقى المهنة نفسها قادرة على أن تمنح الإنسان معنى لحياته، وأن تترك في روحه ندوبًا جميلة لا تزول. فمنذ أن دخلت مبنى مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر عام 1976 محررًا بجريدة الجمهورية، وأنا أشعر أنني لم أختر الصحافة بقدر ما اختارتني هي، لتأخذني في رحلة ممتدة بين الخبر والتحقيق والمعركة النقابية والعمل الإداري والإنساني.
جئت إلى “الجمهورية” يوم كان الكاتب الصحفي الراحل محسن محمد قد تولى رئاسة تحريرها باختيار من الرئيس أنور السادات، في لحظة سياسية وفكرية كانت الدولة تبحث فيها عن إعادة التوازن للمشهد الصحفي والسياسي في مواجهة التيارات اليسارية والشيوعية التي كانت حاضرة بقوة آنذاك. وقد أدرك محسن محمد مبكرًا أن الصحافة لا تُنعش بالشعارات، بل بالاقتراب من الناس، فاستعان بجيل جديد من الشباب، خاصة خريجي كلية الإعلام والصحافة، ونجح خلال سنوات قليلة في تحويل “الجمهورية” من صحيفة محدودة التوزيع لا تتجاوز بضعة آلاف من النسخ إلى جريدة اقترب توزيعها من 800 ألف نسخة.
لم يكن ذلك النجاح معجزة صحفية بقدر ما كان انحيازًا حقيقيًا للناس. فقد فتح محسن محمد صفحات الجريدة لآمال البسطاء وهمومهم، واستحدث أبوابًا صحفية غير تقليدية مثل “عيد ميلادك” و”وفيات المشاهير”، وأعاد الاعتبار لما يُعرف اليوم بصحافة المواطن، حين جعل عمال النظافة والصرف الصحي يجدون صورهم وقضاياهم على الصفحة الأولى. كان يرى أن الصحافة ليست فقط سياسة وصراعات فوقية، بل هي أيضًا حياة يومية لناس عاديين يبحثون عمن يراهم ويحكي عنهم. ولم يغفل بالطبع السياسة والرياضة والفن والتحقيقات، لكنه كان حريصًا على أن تذهب الجريدة إلى ما وراء الحدث، وأن تقدم للناس المعرفة القانونية المستقاة من أحكام مجلس الدولة المصري ليستعينوا بها في حياتهم.
بدأت عملي محررًا للبحث العلمي، ثم انتقلت إلى الملف الزراعي في زمن كان فيه المهندس عبد العظيم أبو العطا وزيرًا للزراعة والري. وطفت معه أنحاء مصر من أقصاها إلى أقصاها أتابع أحوال القطن المصري، ذلك المحصول الذي كان يومًا علامة عالمية متفردة لمصر، قبل أن تتغير الأحوال وتتبدل السياسات. ثم انتقلت إلى وزارة النقل والمواصلات، وكانت آنذاك تضم الطرق والكباري والتليفونات والنقل الجوي والموانئ، فتوليت تغطية هذا الملف الواسع، في زمن كانت فيه الصحافة تعتمد على الجهد الميداني الخالص؛ فلا هواتف تعمل كما ينبغي، ولا وسائل اتصال حديثة، ولا أخبار تصل بضغطة زر. كان على المحرر أن يذهب بنفسه إلى الوزارة أو الهيئة ليعود بالمعلومة، وأن يبني مصادره بعلاقاته الإنسانية ومهنيته، لا عبر الشاشات والتطبيقات كما يحدث الآن.
ومع فصل وزارة الاتصالات لاحقًا عن النقل، أصبحت أتابع الوزارتين معًا، وحققت — بفضل الله — نجاحات مهنية عديدة، سواء في الانفرادات الخبرية أو التحقيقات الصحفية. وحين تولى الأستاذ محفوظ الأنصاري رئاسة تحرير “الجمهورية”، تمت ترقيتي إلى رئيس قسم الأخبار الخدمية ثم نائبًا لرئيس التحرير. وبعده جاء الكاتب الصحفي الكبير سمير رجب، الذي منحني فرصة أوسع للاحتكاك برؤساء الحكومات والوزراء، رغم أنني كنت لا أزال صغير السن نسبيًا في ذلك الوقت.
ولعل من أبرز ما يُحسب لسمير رجب أنه كان يمتلك حسًا استباقيًا تجاه تطور الصحافة، فأنشأ قسم “الخدمات الصحفية — 139 جمهورية”، في تجربة غير مسبوقة وقتها، جعلت الجريدة تلتصق بالناس التصاقًا حقيقيًا؛ تستقبل شكاواهم ومقترحاتهم، ثم يجري فرزها صحفيًا، فيتحول الصالح منها إلى تحقيقات وتقارير، بينما تُعرض بقية المشكلات على المسؤولين وتُنشر ردودهم وحلولهم. وقد أسند إليّ الإشراف على هذا القسم الإنساني الخدمي، فكان واحدًا من أهم محطات حياتي المهنية. ومن خلاله فُتحت أبواب العمل أمام أكثر من مئة صحفي اخترتهم بنفسي، وربما أخطأت في بعض الاختيارات، لكن يبقى أن “139 جمهورية” حقق نجاحًا كبيرًا وأسهم بقوة في زيادة توزيع الجريدة، وكانت الزميلة القديرة جمالات يونس شريكة أصيلة في هذا النجاح. لذلك حزنت كثيرًا حين انتهى هذا القسم بعد أحداث يناير، وإن ظل أبناؤه موزعين على مختلف أقسام الجريدة.
ومن مآثر سمير رجب أيضًا أنه صاحب الفضل في إنشاء المبنى الجديد للمؤسسة بشارع رمسيس، ذلك المبنى الذي شُيّد على هيئة كتاب مستخدمًا أحدث تقنيات عصره، وافتتحه الرئيس حسني مبارك مع المطبعة الجديدة، ليصبح أحد المعالم الصحفية البارزة في القاهرة.
وفي نهاية الرحلة، أجدني مدينًا لكثيرين تعلمت منهم. فمن رؤسائي أذكر: محسن محمد، وسمير رجب، وناجي قمحة، ومحمد الحيوان، وإسماعيل الشافعي، ووحيد غازي، وعدلي برسوم، ورأفت الخياط، وصالح إبراهيم، ومحمد فودة، ولا أنسى النقيب التاريخي الكبير كامل زهيري، وكذلك حافظ محمود. كما استفدت كثيرًا من خبرات زملاء كبار مثل الأستاذ محمد العزبي وناصف سليم وعبد الوهاب عدس وفاروق عبد العزيز ومحمد أبو الحديد والراحل محمد نور وجمال أبو بيه وعصام عمران، وغيرهم من الزملاء الذين عملوا معي ومنهم الزميل عثمان الدلنجاوى ونسرين صادق وأحمد العطار.

