محمد العرابي: إسرائيل وإثيوبيا تشكلان تحدياً استراتيجياً لأمن مصر القومي
في خضم التغيرات الجيوسياسية المتلاحقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط ومنطقة القرن الإفريقي، خرج وزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، بتصريحات وازنة وضعت النقاط على الحروف فيما يتعلق بأبرز التحديات التي تواجه الدولة المصرية في توقيتها الراهن.
وجاءت هذه التصريحات خلال استضافته في برنامج «من أرض الكنانة» عبر بودكاست «مزيج»، لتعيد ترتيب أولويات الرؤية الاستراتيجية للقاهرة في التعامل مع محيطها الإقليمي، حيث شدد العرابي على أن إسرائيل وإثيوبيا لا تزالان تمثلان مصدراً رئيسياً للقلق الذي يستوجب أعلى درجات الحذر واليقظة.
إن قراءة المشهد من منظور دبلوماسي خبير توضح أن مصر لا تتحرك بناءً على ردود أفعال عاطفية، بل تستند إلى تقديرات دقيقة للمخاطر التي قد تمس أمنها القومي أو تعرقل مصالحها الاستراتيجية العليا في وقت تزداد فيه حدة الاستقطاب الإقليمي.
دبلوماسية التوازن: لا عداء مسبق بل حماية للسيادة الوطنية
أوضح العرابي أن الدولة المصرية تنتهج سياسة خارجية تتسم بالرزانة والاتزان، حيث إن القاهرة لا تتبنى نهج العداء المجاني تجاه أي طرف إقليمي، إلا أنها في المقابل تضع أمنها القومي كخط أحمر غير قابل للتفاوض.
وأكد الوزير الأسبق أن التوصيف الدقيق لما تمثله إسرائيل وإثيوبيا في العقل السياسي المصري لا يعني بالضرورة إعلان حالة من الحرب أو العداء المباشر والمستمر، بل يشير إلى طبيعة التحديات التي تفرضها تصرفات هاتين الدولتين على استقرار المنطقة ومصالح مصر الحيوية.
إن هذا النوع من التحليل يكشف عن عقلية استراتيجية تفضل التحرك عبر قنوات الدبلوماسية الهادئة والمكثفة، مع الحفاظ على قدرة الردع والجاهزية للتعامل مع أي سيناريوهات قد تنتج عن التحركات غير المحسوبة من جانب القوى الإقليمية، وهو ما يعزز ثقل مصر الدولي كلاعب أساسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية تخص المنطقة.
سد النهضة والقرن الإفريقي: استمرار التحدي الإثيوبي
وفي معرض حديثه عن العمق الإفريقي، أشار العرابي إلى أن الملف الإثيوبي، وخاصة قضية سد النهضة، يظل الملف الأكثر تعقيداً وأهمية في أجندة السياسة الخارجية المصرية.
وبينما تسعى القاهرة لتعزيز وجودها في دول القرن الإفريقي وبناء علاقات استراتيجية قوية ومتعددة الأطراف لضمان استقرار محيطها الحيوي، تظل التعنتات الإثيوبية في ملف المياه تمثل تحدياً وجودياً للأمن المائي المصري.
وأضاف العرابي أن مصر استطاعت خلال السنوات القليلة الماضية تقوية حضورها السياسي والاقتصادي في القارة السمراء بشكل كبير، وهو ما منحها أوراق ضغط دبلوماسية إضافية وقدرة على تنويع تحالفاتها، إلا أن ذلك لم يقلل من حجم التحدي الذي يفرضه المسار الإثيوبي الذي يتطلب متابعة لحظية ودقيقة وتنسيقاً دائماً مع كافة القوى الإقليمية والدولية المعنية.
الحسابات الأمنية في مواجهة التطورات الإسرائيلية
وعلى الجانب الآخر، تناول وزير الخارجية الأسبق الدور الإسرائيلي في المنطقة، مشيراً إلى أن المتغيرات المتسارعة في السياسات الإسرائيلية تفرض على الدبلوماسية المصرية نوعاً خاصاً من اليقظة المستمرة.
وأكد العرابي أن مصر تتعامل مع هذه الملفات من واقع خبرتها التاريخية بكونها القوة الأكبر التي تحمل على عاتقها عبء تحقيق الاستقرار الإقليمي، حيث تمتلك القاهرة رؤية واضحة تستهدف حماية المصالح الوطنية من أي تحركات قد تؤدي إلى تأجيج الصراعات أو تقويض الأمن الاستراتيجي.
إن الإشارة إلى إسرائيل كمصدر خطر لا تأتي من فراغ، بل هي نتاج تقييم مستمر للتطورات الميدانية والسياسية التي قد تؤثر على التوازنات في المنطقة العربية، حيث تؤكد مصر دائماً عبر دبلوماسيتها أنها قادرة على إدراك هذه التهديدات والتعامل معها بحكمة دون الانزلاق إلى مستنقعات النزاعات المباشرة التي لا تخدم استقرار المنطقة.
مصر تمتلك الأدوات والقدرة على إدارة المشهد
في ختام تحليله للمشهد، شدد محمد العرابي على أن الدولة المصرية تمتلك اليوم من الثقل السياسي والتاريخي ما يمكنها من إدارة كافة علاقاتها الدولية والإقليمية بكفاءة واقتدار. وأكد أن استراتيجية مصر الخارجية تقوم على قاعدة صلبة من حماية الأمن القومي، مع الاستمرار في نهج الانفتاح والتعاون مع مختلف الأطراف بما يخدم التنمية والاستقرار الإقليمي. إن كلمات العرابي ليست مجرد تصريحات سياسية، بل هي رسالة طمأنة للداخل المصري بأن الدولة تضع مصلحة مواطنيها وأمنها المائي والسياسي على رأس أولوياتها، مع امتلاكها للقدرة على المناورة والحفاظ على مكتسباتها في ظل منطقة تموج بالأزمات والتحديات التي تستوجب دوماً قيادة واعية ورؤية استراتيجية ثاقبة.
لمشاهدة الحلقة اضغط هنا