سلسلة مقالات حول المشهد السياسى الحالى
نبدأ حلقتنا الأولى بالمشهد السياسي الحالي.. والذي يتمثل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران…
وانعكاسات هذه الحرب، التي تدور رحاها فوق أرض الشرق الأوسط… وتحت سماء أمة دفعت ثمن الصراعات الدولية لعقود طويلة.
لكن السؤال هل هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة؟
أم أنها امتداد لصراع أعمق… وأخطر… وأقدم مما نتصور؟
وهنا يجب أن نكون واضحين… ففهم المشهد لا يبدأ من صوت الصواريخ… بل يبدأ من فهم العلاقات التي تربط أطراف الحرب ببعضهم البعض.
ولهذا، سنضع أمامنا ثلاثة محاور رئيسية: علاقة أمريكا بإسرائيل، علاقة أمريكا بإيران، علاقة إسرائيل بإيران
لكننا اليوم… سنبدأ بالأهم… والأخطر… والأكثر تأثيراً: وهى: علاقة أمريكا بإسرائيل.
طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل
العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليست علاقة طبيعية بين دولتين، وليست مجرد تحالف سياسي مؤقت.
وليست اتفاقاً عسكرياً مرتبطاً بظرف معين.
بل هي واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية ثباتاً في السياسة الدولية المعاصرة… علاقة مبنية على تشابك معقد من المصالح: مصالح سياسية… أمنية… اقتصادية… وأيديولوجية.
وهنا نتساءل: لماذا تُعد إسرائيل الحليف الأكثر حمايةً في العالم؟
لماذا تُعامل وكأن أمنها جزء من أمن أمريكا؟
لماذا تُمنح ما لا يُمنح لغيرها من دول العالم؟
وهل هذا الدعم نابع من عاطفة… أم من مصلحة؟
الخلفية التاريخية والاستراتيجية لهذه العلاقة.
منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948… بدأ التحالف يأخذ شكلاً تدريجياً، ثم تطور بسرعة إلى شراكة استراتيجية شاملة خلال العقود التالية.
لكن التحول الأكبر جاء بعد حرب 1967… ثم حرب 1973… وهنا يجب أن ننتبه جيداً… أن حرب 1973 لم تكن مجرد حرب عربية إسرائيلية… بل كانت الحرب التي فتحت أعين الغرب على حقيقة واحدة: وهى أن الشرق الأوسط ليس مجرد صحراء… بل هو خزينة الطاقة العالمية.
ومنذ تلك اللحظة… تحولت إسرائيل من كيان سياسي… إلى أداة استراتيجية في قلب المنطقة.
والسؤال هنا: هل كان الغرب سيدعم إسرائيل بنفس القوة لو كانت في مكان آخر بعيد عن النفط؟
لماذا فلسطين؟ ولماذا هذا الموقع تحديداً؟
في بدايات المشروع الصهيوني… لم تكن فلسطين هي الخيار الوحيد.
بل طُرحت بدائل متعددة لإقامة وطن قومي لليهود… مثل: أوغندا..... مدغشقر.... الأرجنتين...وغيرها
لكن رغم كل هذه البدائل… تم اعتماد فلسطين في النهاية كموقع للمشروع الصهيوني… بدعم القوى الغربية.
وهنا السؤال الذي يزعج الكثيرين: لماذا فلسطين تحديداً؟ هل لأنها "أرض الميعاد" فقط؟
أم لأن الموقع يخدم أهدافاً استراتيجية أكبر؟
الحقيقة تقول: فلسطين ليست مجرد أرض… بل هي مفتاح جغرافيا العالم القديم ومن خلال السيطرة عليها يستطيع الغرب تحقيق الاتى:.
أ) التحكم في طرق التجارة الدولية (صوت تحليلي)
السبب استراتيجي الاول لاختيار فلسطين… هو التحكم في طرق التجارة الدولية. فلسطين تقع في قلب نقطة الاتصال الحيوية بين: آسيا .. إفريقيا ..أوروبا
وترتبط مباشرة بممرات بحرية وتجارية بالغة الأهمية مثل:البحر المتوسط.... البحر الأحمر.... قناة السويس
ومن يسيطر على هذه المنطقة… يستطيع أن يضغط على حركة التجارة العالمية… ويتحكم في مسارات الإمداد الدولية.
ولذلك… لم تكن فلسطين في يوم من الأيام أرضاً هامشية. بل كانت دائماً هدفاً للقوى الكبرى منذ التاريخ القديم: فقد حاول الرومان… الإغريق… البطالمة، السيطرة عليها… ثم في العصر الحديث: الحروب الصليبية… ثم صراع القوى الأوروبية الكبرى في القرن التاسع عشر والعشرين… بريطانيا وفرنسا وإيطاليا… وغيرها.
كلهم مروا من هنا… وكلهم كانوا يبحثون عن شيء واحد: التحكم في بوابة الشرق.
والسؤال هنا: هل تتوقعون أن تترك القوى الكبرى بوابة التجارة العالمية بلا حارس؟
ب) الفصل الجغرافي والسياسي بين الأقاليم العربية.
السبب الثاني… أخطر من الأول.
وجود إسرائيل في قلب المشرق العربي خلق حاجزاً استراتيجياً يفصل بين:عرب شمال إفريقيا… خصوصاً مصر وليبيا وعرب بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية
وبذلك… تم تقطيع الجسد العربي إلى أجزاء منفصلة.
فأصبح التواصل العسكري والسياسي بين مصر وبلاد الشام صعباً… وأصبح تكوين كتلة عربية موحدة شبه مستحيل.
ونتساءل هنا هل كان يمكن للعرب أن يكونوا أقوى لو ظل الطريق بين مصر والشام مفتوحاً؟
الإجابة يؤكدها التاريخ، … فالتقارب بين مصر والشام كان دائماً يعني قوة العرب… وكان دائماً يعني أن النصر قد يكون قريباً.
ولهذا… كان زرع الكيان الصهيوني في هذه المنطقة خطوة استراتيجية عبقرية من وجهة نظر الغرب.
فهل كان زرع اسرائيل في قلب الأمة صدفة؟ أم أن الهدف هو منع الأمة من أن تتوحد أصلاً؟
ج) القرب من مناطق الطاقة في الشرق الأوسط.
هنا نصل الى السبب الثالث… فهو الذي جعل إسرائيل "كنزاً" استراتيجياً للغرب.
إسرائيل تقع داخل محيط إقليمي غني بالنفط والغاز… قريبة من منابع الطاقة… وقريبة من طرق تصديرها.
والعالم الصناعي… كما تعلمون… لا يعيش بدون النفط.
إذن… وجود إسرائيل في هذا المكان… ليس مجرد وجود سياسي… بل هو صمام أمان لحماية المصالح الغربية المرتبطة بالطاقة.
ونتساءل هل لو لم يكن بالشرق الأوسط نفطاً وغازاً… هل كان الغرب سيهتم به لهذه الدرجة؟
إسرائيل كقاعدة استراتيجية للنفوذ الغربي.
من هنا… يمكن فهم إسرائيل كما تصفها كثير من الأدبيات السياسية: قاعدة متقدمة للنفوذ الغربي داخل الشرق الأوسط.
إسرائيل ليست مجرد دولة حليفة لأمريكا… بل تقوم بدور وظيفي واضح يتمثل في: حماية المصالح الأمريكية والغربية، التأثير على التوازنات الإقليمية، منع نشوء قوة عربية موحدة، تأمين خطوط الطاقة والتجارة
وبالتالي… فإن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يكن يوماً دعماً أخلاقياً أو إنسانياً أو عاطفياً… بل هو دعم مرتبط بمفهوم الأمن القومي الأمريكي.
وهنا السؤال لكل العرب هل إسرائيل مشروع ديني فقط؟ أم مشروع سياسي عالمي؟
أم أنها في الحقيقة… "حاملة طائرات" ثابتة في قلب الشرق الأوسط؟
والآن… عندما ننظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران… يجب أن نفهم شيئاً مهماً:
أمريكا لا تتحرك فقط دفاعاً عن إسرائيل… بل تتحرك دفاعاً عن منظومة مصالح كاملة.
فإذا اهتزت إسرائيل… اهتز معها النفوذ الغربي في المنطقة.
وإذا تغيرت موازين القوة… فإن طرق التجارة… والطاقة… والتحالفات… ستتغير.
إذن الحرب ليست فقط ضد إيران… بل هي حرب من أجل إعادة تثبيت قواعد اللعبة.
وهنا سؤال خطير: هل تسمح أمريكا بسقوط مشروعها الاستراتيجي الأهم في الشرق الأوسط؟
في ختام هذه الحلقة…
علينا أن نخرج بحقيقة واحدة واضحة: العلاقة بين أمريكا وإسرائيل ليست علاقة صداقة…
بل علاقة مصالح… مصالح ترتبط بالجغرافيا… والتجارة… والطاقة… والسيطرة.
وإن فهم هذه العلاقة هو الخطوة الأولى لفهم كل ما يجري في منطقتنا.
لأن من لا يعرف طبيعة التحالف… لن يفهم طبيعة الحرب.
ومن لا يفهم جذور الصراع… سيظل يرى الأحداث كأنها مفاجآت… بينما هي في الحقيقة نتائج طبيعية لمقدمات قديمة.
وهنا أترككم مع سؤال أخير… ليس للاستعراض… بل للتفكير: إذا كانت إسرائيل أداة استراتيجية للغرب… فمن سيكون العدو الطبيعي لهذه الأداة؟ ، ومن سيكون المستهدف دائماً؟ ، ومن سيدفع الثمن؟
وفي الحلقة القادمة… سنفتح الملف الثاني: علاقة أمريكا بإيران… ولماذا تحولت إيران إلى خصم استراتيجي؟