المستشار عادل ماجد: بناء حصانة مجتمعية معرفية ضرورة استراتيجية لمواجهة الحروب الإدراكية
أكد المستشار عادل ماجد، نائب رئيس محكمة النقض وأستاذ القانون الفخري بجامعة درهام، أن إنشاء حصانة مجتمعية معرفية قوية أضحى ضرورة أمنية قصوى لمواجهة الشائعات والأيديولوجيات المتطرفة التي تستهدف أمن الدولة القومي.
وأوضح ماجد أن ما يُعرف بـ "الحروب الإدراكية" لم يعد مجرد مصطلح نظري أو ترفاً فكرياً، بل أصبح تحدياً استراتيجياً وجودياً يفرض على كافة المؤسسات الوطنية تبني رؤية استباقية لمواجهة محاولات التلاعب بالوعي الجمعي في المجتمع.

إصدار مرجعي من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
جاءت هذه التصريحات ضمن الدراسة التأصيلية الرائدة التي أعدها المستشار عادل ماجد بعنوان "الحروب الإدراكية"، والتي أصدرها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية برئاسة الدكتورة هالة رمضان ضمن سلسلة "مفاهيم معاصرة".
يُعد هذا الإصدار من أوائل المراجع العربية التي تقدم تعريفاً منضبطاً وشاملاً لهذا المفهوم الناشئ، متجاوزاً بذلك النقل الحرفي عن الأدبيات الغربية ليطرح منظوراً عربياً وطنياً يراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للدولة المصرية.
خصائص الحروب الإدراكية ومخاطرها على العقلانية
أشار المستشار عادل ماجد إلى أن خطورة هذه الحروب تتجاوز بمراحل الحروب النفسية التقليدية، حيث إنها لا تكتفي باستهداف المشاعر أو نشر المعلومات المضللة، بل تتوغل عميقاً لتتلاعب بآليات التفكير وعقلانية البشر ذاتها.

وأوضح أن هذه الحروب تتميز بأنها "غير مرئية" ومخفية عن الأعين، مما يجعل المجتمعات تتفاجأ بتداعياتها المدمرة دون أن تدرك في البداية اللحظة الفعلية لوقوع الهجمات الإدراكية، مما يجعل الاستجابة لها غالباً ما تأتي متأخرة.
دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تعميق الأزمة
وتطرق ماجد إلى أن التطورات المتسارعة في أدوات الذكاء الاصطناعي تمنح المهاجمين إمكانيات هائلة لتحليل السلوك البشري بدقة متناهية، واستهداف الأفراد والجماعات برسائل موجهة ومخصصة بعناية فائقة التأثير.
وأشار إلى أن استخدام أدوات "التلاعب السلوكي المعرفي" للتأثير على ما هو "دون الوعي" لدى الإنسان بات وسيلة استراتيجية لتحقيق أهداف بعيدة المدى، مما يتطلب تكنولوجيا مضادة ووعياً تقنياً وفكرياً متقدماً لمواجهة هذه المخاطر.
استجابة وطنية شاملة لصون الهوية وتماسك الدولة
وشدد المستشار عادل ماجد على ضرورة تبني استراتيجية مؤسسية شاملة تتكامل فيها الأدوار بين المؤسسات الإعلامية، والتعليمية، والثقافية، والأمنية، والتكنولوجية، من أجل تعزيز التفكير النقدي لدى أفراد المجتمع وحمايتهم من الاختراق.
إن الهدف من هذه المواجهة الشاملة هو إعادة بناء الوعي المجتمعي، وتدعيم تماسك الدولة الوطنية في مواجهة التحولات الرقمية السريعة، وصون الهوية المصرية الأصيلة ضد محاولات إعادة تشكيل القناعات والاتجاهات من قوى خارجية.
تأتي هذه الدراسة لتؤكد الدور الرائد للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مواكبة القضايا الفكرية المعاصرة، وتبرز أهمية البحث العلمي في خدمة أمن الدولة القومي من خلال تقديم حلول استباقية للتحديات الناشئة في العصر الرقمي.