ads
الخميس 18 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

لماذا يتراجع الشعور بالرضا في عصر السوشيال ميديا؟.. علماء يوضحون أثر المقارنات الرقمية على نفسية الإنسان

خلف الحدث

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي في العصر الحديث جزءًا أساسيًا من حياة الأفراد اليومية، حيث لا يكاد يخلو يوم من التفاعل مع محتوى رقمي متجدد يعرض صورًا وتجارب وحالات نجاح متنوعة، الأمر الذي أدى إلى بروز ظاهرة نفسية واجتماعية متزايدة تتمثل في تراجع الشعور بالرضا لدى كثير من الأشخاص نتيجة المقارنات المستمرة مع الآخرين.

وفي هذا السياق، أوضح الشيخ وليد عرفة، أحد علماء وزارة الأوقاف، أن مفهوم الرضا والقناعة يمثلان أساسًا مهمًا لاستقرار الإنسان النفسي، مشيرًا إلى أن الضغوط المتزايدة في العصر الحالي لا ترتبط فقط بظروف الحياة المادية، وإنما ارتبطت بشكل كبير بوسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت حياة الآخرين متاحة أمام الجميع بصورة مستمرة، وهو ما فتح الباب أمام المقارنة الدائمة.

وخلال لقائه مع الإعلامي محمد جوهر في برنامج "صباح البلد" المذاع على قناة "صدى البلد"، أشار الشيخ وليد عرفة إلى أن هذه المنصات الرقمية ساهمت في خلق حالة من المقارنة غير المباشرة بين الأفراد، حيث أصبح كل شخص يرى ما يملكه الآخرون من مظاهر نجاح أو رفاهية، في حين يغيب عن الكثيرين إدراك حقيقة أن ما يتم عرضه لا يمثل الصورة الكاملة لحياة الآخرين.

وأضاف أن هذا النمط من المقارنة المستمرة يؤدي تدريجيًا إلى ضعف الشعور بالرضا، بل وقد يولد حالة من الإحباط أو عدم الرضا عن الواقع الشخصي، حتى وإن كان هذا الواقع يحمل في طياته العديد من النعم والإنجازات التي قد لا يتم الانتباه إليها بسبب التركيز على ما لدى الآخرين.

وأكد أن التعاليم الدينية وضعت أساسًا واضحًا لمفهوم الرضا، حيث حث النبي صلى الله عليه وسلم على القناعة بما قسمه الله تعالى للإنسان، موضحًا أن الأرزاق والنعم موزعة بعدل إلهي يتناسب مع كل فرد وظروفه الخاصة، وأن لكل إنسان نصيبًا من الرزق يختلف عن غيره وفق حكمة إلهية لا يعلمها إلا الله.

وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى وزع النعم بين عباده بتنوع واضح، فهناك من أنعم الله عليه بالصحة، وآخرون بالمال، وغيرهم بالعلم أو الجمال أو غيرها من النعم، مؤكدًا أن هذه التفاوتات لا تعني نقصًا أو تفضيلًا مطلقًا، بل هي جزء من نظام متكامل يقوم على الابتلاء والاختبار والتكامل بين البشر.

وشدد على أن الرضا لا يتعارض مع الطموح أو السعي نحو الأفضل، بل إن الإسلام يدعو إلى العمل والاجتهاد وتحقيق الأهداف، ولكن دون أن يتحول هذا السعي إلى مصدر دائم للشعور بالنقص أو المقارنة السلبية مع الآخرين، لأن ذلك يفقد الإنسان توازنه النفسي.

وأوضح أن الفرق بين الرضا والطموح يكمن في أن الرضا حالة داخلية تعكس القبول والطمأنينة بما هو موجود، بينما الطموح يمثل دافعًا إيجابيًا يدفع الإنسان للتطوير والتحسين، وبالتالي فإن الجمع بينهما يحقق توازنًا نفسيًا وسلوكيًا مهمًا في حياة الفرد.

ولفت إلى أن المشكلة الأساسية في عصر السوشيال ميديا لا تكمن في استخدام المنصات بحد ذاته، وإنما في طريقة التفاعل معها، خاصة عندما تتحول إلى أداة للمقارنة المستمرة بين حياة الأفراد، مما يؤدي إلى تضخيم إنجازات الآخرين وتقليل قيمة ما يمتلكه الشخص نفسه.

كما أشار إلى أن كثيرًا مما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس الواقع الكامل، بل يمثل جانبًا مختارًا بعناية من حياة الأفراد، وغالبًا ما يتم إظهار اللحظات الإيجابية فقط، في حين يتم إخفاء الصعوبات والتحديات، وهو ما يخلق صورة غير حقيقية عن حياة الآخرين.

ودعا إلى ضرورة التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بوعي أكبر، من خلال تقليل الاعتماد عليها كمصدر لتقييم الذات أو مقارنة الحياة الشخصية بالآخرين، والتركيز بدلًا من ذلك على تطوير الذات وتحقيق الأهداف الواقعية بعيدًا عن الضغوط الرقمية.

وأكد أن العودة إلى قيم القناعة والرضا تمثل عاملًا مهمًا في تحقيق التوازن النفسي والاستقرار الداخلي، مشيرًا إلى أن الإنسان كلما استطاع تقليل المقارنات الخارجية وزيادة الامتنان لما لديه، كلما عاش حياة أكثر هدوءًا وطمأنينة.

واختتم بالتأكيد على أن الرضا لا يعني التوقف عن السعي، وإنما يعني القدرة على الاستمتاع بما هو موجود مع الاستمرار في التطوير، وهو ما يشكل المعادلة الصحيحة لحياة متوازنة في ظل التحديات النفسية والاجتماعية التي فرضها العصر الرقمي الحديث.

تم نسخ الرابط