عزت إبراهيم يكتب: هل انتهى عصر عزل إيران؟
قراءة مسودة الاتفاق الذي نشرته وسائل إعلام إيرانية تكشف عن مباراة جديدة مثيرة في الشرق الأوسط لا تحدها الخصومة الدائمة ولا الميراث التاريخيّ للصراعات ولكن القدرة علي بناء تفاهمات وتحالفات وخروج من العزلة وهو خروج سيكون له تبعات مهمة مثلما اشرت في تحليل سابق قبل يومين:
1. لا تتحدث الوثيقة عن برنامج نووي بقدر ما تتحدث عن إعادة ترتيب الشرق الأوسط. فالقضية النووية تبدو في البنود مجرد ملف تفاوضي واحد داخل مشروع أكبر يشمل الأمن الإقليمي والطاقة والاقتصاد والملاحة البحرية والعلاقات الأمريكية الإيرانية ومستقبل النظام الإقليمي كله.
2. تكشف البنود انتقالاً محتملاً في التفكير الأمريكي من استراتيجية الاحتواء إلى استراتيجية الدمج. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 انصب التفكير الأمريكي على إدارة الخطر الإيراني أو احتوائه أو الضغط عليه، بينما توحي هذه البنود -إذا صحت- بمحاولة لتحويل إيران إلى طرف مندمج داخل نظام إقليمي جديد بدلاً من بقائها خارجه.
3. تعكس المطالب الإيرانية انتقالاً من خطاب الثورة إلى خطاب الدولة. فالوثيقة لا تبدأ بتصدير الثورة أو الشعارات العقائدية، وإنما تبدأ بالسيادة ورفع العقوبات وإعادة الأموال وإعادة الإعمار والاستثمارات وحرية التجارة، وهي لغة تنتمي إلى منطق الدول أكثر من منطق الحركات الثورية.
4. تشير قيمة إعادة الإعمار المقترحة البالغة 300 مليار دولار إلى أن القضية لم تعد مجرد رفع عقوبات بل مشروع لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني بالكامل. فهذه الأرقام تذكر بخطط إعادة بناء الدول بعد الحروب الكبرى أكثر مما تشبه الاتفاقات التقليدية الخاصة بالملف النووي.
5. يحمل مطلب الإفراج عن الأموال المجمدة قبل بدء المفاوضات دلالة سياسية مهمة. فهو يعكس رغبة إيرانية في الحصول على دليل عملي على تغير السياسة الأمريكية قبل تقديم أي تنازلات استراتيجية، وهو تعبير عن أزمة الثقة العميقة التي تراكمت خلال العقود الماضية.
6. يمثل التركيز على النفط والقطاع المالي مؤشراً إلى أن الاقتصاد أصبح أولوية الأمن القومي الإيراني. فالاقتصاد لم يعد مجرد ملف داخلي، بل تحول إلى شرط أساسي لاستقرار النظام نفسه واستمرار قدرته على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية.
7. يشير استبعاد ملف الصواريخ ودعم حركات المقاومة -إذا صح ايضا- إلى محاولة للفصل بين الملفات بدلاً من ربطها جميعاً في اتفاق واحد. وهو تحول يعكس إدراكاً بأن تحميل أي اتفاق بكل القضايا الإقليمية يجعله شبه مستحيل التحقيق. يمكن ان يسوق ترامب هذا البند وسط أنصار إسرائيل باعتباره حقق انتصارا علي خصوم إسرائيل بفك ارتباطهم ولو مؤقتا.
8. يكشف بند احترام السيادة وعدم التدخل عن تحول محتمل في طبيعة العلاقة الأمريكية الإيرانية من محاولة تغيير النظام إلى محاولة تغيير السلوك. وهذه نقطة فارقة لأنها تنقل مركز الثقل من السياسة الداخلية الإيرانية إلى السلوك الخارجي الإيراني.
9. يحمل بند الانسحاب الأمريكي من المناطق المحيطة بإيران دلالة أكبر من مجرد إعادة انتشار عسكري. فهو يمس مستقبل الوجود الأمريكي في الخليج والعراق وسوريا وربما يعكس تصوراً جديداً لتوازن القوى في المنطقة.
10. يمثل فتح مضيق هرمز وفق ترتيبات تحددها إيران اعترافاً ضمنياً بدور إيراني رئيسي في أمن الخليج إذا صحت الصياغة المنشورة. وهذه ليست مسألة ملاحية فقط، بل تتعلق بإعادة توزيع النفوذ الإقليمي.
11. تعكس آلية الإشراف الدولية المقترحة محاولة لتحويل الاتفاق من تفاهم سياسي مؤقت إلى إطار مؤسسي طويل الأجل. فوجود آلية تنفيذية وقرار من مجلس الأمن يعني السعي إلى منح الاتفاق شرعية دولية تتجاوز تغير الإدارات الأمريكية.
12. يكشف الربط بين العقوبات والملف النووي فقط عن إمكانية فصل الاقتصاد عن بقية ملفات الصراع الإقليمي. فإذا تحقق ذلك، فإن إيران قد تدخل الاقتصاد العالمي مع استمرار خلافاتها السياسية مع الغرب، وهو نموذج عرفته تجارب دولية أخرى.
13. قد يكون أهم ما في الوثيقة أنها تعكس تصوراً جديداً لمفهوم الردع نفسه. فالردع هنا لا يقوم فقط على التوازن العسكري، وإنما على خلق شبكة من المصالح الاقتصادية تجعل العودة إلى الحرب مكلفة لجميع الأطراف.
14. ينسجم هذا السيناريو مع اتجاه عالمي أوسع نحو إعادة توظيف الاقتصاد باعتباره أداة للأمن والاستقرار. فالاستثمار وسلاسل الإمداد والطاقة والبنية التحتية أصبحت في كثير من الأحيان أدوات جيوسياسية لا تقل أهمية عن الجيوش.
15. قد يؤدي نجاح مثل هذه الصيغة إلى تحول تدريجي داخل إيران نفسها. فالانفتاح على الأسواق العالمية والاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا والسياحة والتعليم قد يخلق قوى اجتماعية جديدة تدفع نحو مزيد من البراجماتية وتراجع مركزية الخطاب الأيديولوجي.
16. لا يعني ذلك بالضرورة تحول إيران إلى نموذج غربي أو ديمقراطية ليبرالية. فالتجربة الصينية أثبتت أن الاندماج الاقتصادي العالمي لا يستلزم بالضرورة تبني النموذج السياسي الغربي، وإنما قد ينتج نموذجاً وطنياً مختلفاً وأكثر انفتاحاً اقتصادياً.
17. يفتح هذا السيناريو الباب أمام إعادة تعريف الشرعية السياسية داخل الجمهورية الإسلامية. فقد تصبح التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة والاندماج في الاقتصاد العالمي مصادر جديدة للشرعية تكمل أو حتى تنافس الشرعية الثورية التقليدية.
18. قد تصبح “صفقة هرمز” في هذه الحالة معادلاً تاريخياً لاتفاقات غيرت خرائط جيوسياسية كاملة، لأنها لن تتعلق بالملاحة فقط، بل بإعادة توزيع الأدوار الأمنية والاقتصادية في الخليج والشرق الأوسط وآسيا الغربية.
19. يكمن السؤال الحقيقي في ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للاعتراف بإيران كقوة إقليمية شرعية، وما إذا كانت إيران مستعدة في المقابل للتحول من مشروع ثوري إلى مشروع دولة كبرى تسعى إلى النفوذ عبر الاقتصاد والاستثمار والربط الإقليمي أكثر من سعيها إليه عبر المواجهة والصراع. ولو سقطت حجة البرنامج النووي سهلت عملية تخفيف العداوة بين إيران وإسرائيل وليس بالضرورة الاتفاق او التقارب بينهما.
20. إذا صحت هذه التسريبات، فإن أهميتها التاريخية لا تكمن في بنودها التفصيلية، بل في الفلسفة الكامنة وراءها. فهي تشير إلى احتمال انتقال الشرق الأوسط من مرحلة عنوانها “إدارة الصراع” إلى مرحلة عنوانها “إعادة هندسة النظام الإقليمي”. وفي هذه القراءة، لا تصبح القضية النووية سوى المدخل، بينما يكون الهدف الحقيقي هو إعادة دمج إيران في نظام عالمي أكبر، بحيث تتحول من لاعب معزول يعتمد على منطق الثورة إلى قوة إقليمية مندمجة تعتمد بدرجة متزايدة على منطق التنمية والمصالح الاقتصادية والترابط الدولي







