حين ننظر إلى القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام، يترسخ في أذهاننا غالبًا أن ما نتابعه ونتداوله هو الحقيقة ذاتها. لكن التجربة الإنسانية، قديمًا وحديثًا، تكشف أن المسافة بين الحقيقة وما يُقال عنها قد تكون أوسع بكثير مما نتصور.
وقد قادتني دراسة قضيتين يفصل بينهما أكثر من قرن كامل - قضية صفية السادات في مطلع القرن العشرين، وقضية نيرة أشرف في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين - إلى تأمل سؤال بدا لي أكثر أهمية من الوقائع ذاتها: كيف تتشكل الحقيقة في الوعي الجمعي؟ وكيف تتحول الأحداث الفردية إلى قضايا عامة، ثم إلى يقين اجتماعي قد ينازع الحقيقة القضائية نفسها؟
للوهلة الأولى تبدو القضيتان مختلفتين تمام الاختلاف. فالأولى نشأت في عصر الصحافة الورقية والمجالس العامة، والثانية انفجرت في عصر المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن المفاجأة أن اختلاف الوسائط لم يغير كثيرًا من الآلية العميقة التي يتشكل بها الرأي العام.
ففي كل أزمة عامة يظهر نقص طبيعي في المعلومات. والإنسان بطبيعته لا يحتمل الفراغ المعرفي طويلًا، لذلك يبدأ في البحث عن تفسير سريع لما يجهله. ومن هنا تولد الشائعة.
والشائعة ليست دائمًا كذبًا متعمدًا، بل كثيرًا ما تكون محاولة جماعية لسد فجوة المعرفة قبل اكتمال الحقائق. ثم يأتي التداول ليمنحها الانتشار، ويأتي التكرار ليمنحها مظهر اليقين، وتأتي الانفعالات الجماعية لتمنحها قوة رمزية تتجاوز مضمونها الأصلي.
وعند هذه النقطة نكون أمام ظاهرة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه الشائعة نفسها؛ ظاهرة أطلقتُ عليها في كتابي اسم "الهُراء الثقافي".
ولا أقصد بهذا المصطلح السخرية من الناس أو الانتقاص من وعيهم، وإنما توصيف حالة اجتماعية تتحول فيها الأفكار المتداولة إلى مسلمات راسخة لا بسبب قوة أدلتها، بل بسبب كثافة تداولها واستمرار حضورها داخل الوعي الجمعي.
فكم من فكرة بدأت احتمالًا، ثم أصبحت رأيًا شائعًا، ثم انتهت إلى ما يشبه الحقيقة الاجتماعية المستقرة. وكم من واقعة أُعيد إنتاجها آلاف المرات حتى أصبحت صورتها المتداولة أكثر حضورًا من حقيقتها الأصلية.
وهنا تكمن إحدى أخطر المفارقات التي تواجه المجتمعات الحديثة؛ فالرأي العام، رغم أهميته الكبيرة، ليس مرادفًا للحقيقة. إنه يعكس نبض المجتمع، ويكشف عن مخاوفه وآماله وانفعالاته، لكنه لا يمتلك بطبيعته أدوات التحقق والإثبات التي تتيح له الفصل النهائي في الوقائع.
ولهذا ظل القضاء، عبر التاريخ، ضرورة حضارية لا غنى عنها.
فبينما يتحرك الرأي العام داخل فضاء التفسير والانفعال، يتحرك القضاء داخل فضاء الإثبات والتحقق. وبينما يسأل الناس: "ماذا نعتقد أنه حدث؟"، يسأل القضاء: "ماذا يمكن إثبات أنه حدث؟". ومن هنا تنشأ الحقيقة القضائية.
إنها ليست الحقيقة الأكثر شعبية، ولا الأكثر تداولًا، وإنما الحقيقة التي اجتازت اختبارات الدليل والإجراءات القانونية.
وخلال سنوات العمل القضائي تعلمتُ أن الحقيقة لا تصرخ دائمًا بصوت مرتفع، وأن الضجيج ليس دليلًا على الصواب، وأن أكثر القضايا إثارة للرأي العام ليست بالضرورة أكثرها وضوحًا من الناحية القانونية.
كما تعلمتُ أن العدالةَ لا تُقاس بمدى توافقها مع المزاج العام، وإنما بمدى التزامها بقواعدها ومعاييرها، حتى عندما يكون ذلك مخالفًا لما يرغب الجمهور في سماعه.
ولعل أهم ما تكشفه المقارنة بين الماضي والحاضر أن الزمن يغير الأدوات أكثر مما يغير الإنسان.
فالصحافة التي صنعت عاصفة الأمس تؤدي اليوم وظيفتها ذاتها بأدوات رقمية جديدة. والشائعة التي كانت تنتقل من مجلس إلى آخر أصبحت تنتقل من شاشة إلى أخرى. والانفعال الجمعي الذي كان يحتاج إلى أسابيع كي يبلغ ذروته صار يحتاج إلى ساعات وربما دقائق.
لكن الإنسان بقي هو الإنسان؛ بخوفه وفضوله ورغبته الدائمة في تفسير المجهول. ولهذا فإن معركة الحقيقة ستظل قائمة ما دام هناك رأي عام، وما دام هناك حدث يثير الانفعال، وما دام هناك بشر يبحثون عن اليقين.
ويبقى القضاء، رغم كل شيء، الميزان حين تضطرب الموازين، والبوصلة حين تتعدد الاتجاهات، والحارس الأخير للحقيقة حين تتنازعها السرديات المتنافسة.
فالحقيقة لا تُولد من كثرة التداول، وإنما تُستخلص من قوة الإثبات.

