ads
الإثنين 13 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

ليس القضاء مجرد أشخاص يجلسون على منصات الحكم، ولا يُختزل في شخص القاضي مهما علت مكانته أو اتسع علمه.

  فالقضاء قبل أن يكون أشخاصًا، هو مؤسسة راسخة، وصرح من صروح الدولة، وميزان دقيق تُصان به الحقوق، وتُحفظ به الحريات، ويستقيم به ميزان المجتمع. إنه الضمانة التي يلجأ إليها الناس حين تضيق بهم السُبل، والحصن الذي يحتمي به المظلوم طلبًا للإنصاف، وصمام الأمان الذي يحفظ للمجتمع توازنه وثقته.

 إنَّ الحكم القضائي لا يصدر عن هوى أو انطباع عابر، وإنما يولد من رحِم إجراءات قانونية دقيقة، وضوابط صارمة، وضمانات تكفل لكل خَصم أن يُسمَع قوله، وتُفحص أدلته، وتُمحَّص وقائعه، حتى يصل القاضي إلى ما يطمئن إليه وجدانه في حدود القانون وما قُدم إليه من أدلة.

 ومن هنا فإن هيبة الأحكام القضائية لا تستند فقط إلى شخص من أصدرها، وإنما إلى المنظومة المتكاملة التي أحاطت بها، وإلى الثقة العامة في أنَّ العدالة لا تُدار بالأهواء، بل بالقواعد والضمانات.

 ومن أخطر ما يواجه هذه المنظومة أن تهتز صورتها في نفوس الناس، لا بالنقد الموضوعي الذي يثري التجربة ويكشف مواطن القصور إن وجدت والاعتصام بدرجات التقاضي المختلفة، وإنما بالتلميحات والتصريحات التي تبدأ غالبًا بعبارة تبدو في ظاهرها احترامًا للقضاء، ثم تتبعها عبارات تحمل في طياتها التشكيك في عدالة الحكم أو الإيحاء بأن الواقعة كان يمكن أن تُحسم بميزان آخر غير ميزان القانون، ومن عَجبٍ أنَّ اقتراح تشكيل لجان لفحص المنازعة بعد صدور حكم نهائي بات فيها، هو قول يثير الشفقة بعقول مَن يعتنقه. 
إنَّ عبارة "مع احترامنا لأحكام القضاء" لا ينبغي أن تكون ستارًا لعبارات تنال من الثقة في العدالة أو توحي بأن الحكم قد صدر على غير أساس. فالمشكلة ليست في مجرد اختلاف الرأي مع حكم قضائي؛ فهذا أمر طبيعي في ساحات العدالة، وقد أتاح القانون طرقًا للطعن والمراجعة.

وإنما تكمن الخطورة في تحويل الاختلاف إلى تشكيك في أصل المنظومة، أو تقديم الانطباع بأن الأحكام تخضع لمعايير شخصية أو تقديرات غير منضبطة.

فالضرر في مثل هذه المواقف لا يقع على القاضي وحده، ولا ينصرف إلى شخص من أصدر الحكم، بل يمتد أثره إلى صورة العدالة ذاتها، وإلى الثقة التي يجب أن تبقى راسخة بين المواطن ومؤسسة القضاء. وإذا فقد الناس يقينهم في أحكام القضاء، فقدوا أهم دُعامة للاستقرار الاجتماعي؛ لأن المجتمع الذي لا يثق في عدالته يفتح الباب للفوضى، ويستبدل حكم القانون بمنطق الانطباعات.

والأشد مفارقة أنَّ من يَطعن في سلامة الأحكام أو يقلل من شأن القضاء، هو ذاته أول من سيبحث عن هذا الصرح إذا نزل به ظلم، أو مسَّه جَور، أو احتاج إلى من ينصفه. فالقضاء هو الملجأ الأخير للجميع، لا يميز بين خَصم وآخر، ولا يسأل من طَرق بابه عن موقفه السابق منه، وإنما يفتح أبوابه لمن يطلب الحق وفق ميزان القانون.

لذلك فإن احترام القضاء ليس احترامًا لأشخاص بعينهم، وإنما احترام لفكرة العدالة التي تجمع المجتمع وتحميه. والنقد البنَّاء يظل حقًا مشروعًا، لكنه يختلف كل الاختلاف عن العبارات التي تزرع الشك في نفوس الناس تجاه أحكام القضاء، لأن الثقة في العدالة ليست امتيازًا للقضاة، بل مصلحة عامة للمجتمع بأسره.

 فالقضاء حين يُصان، تُصان معه الحقوق، وحين تهتز صورته، لا يخسر القاضي وحده، بل يخسر المجتمع أحد أعمدته التي لا غنى عنها.

تم نسخ الرابط