انقسام داخل "الرئاسي" الليبي: إقالة رئيس المخابرات تفجر أزمة سياسية جديدة
شهد المشهد السياسي الليبي حالة من التخبط والانقسام الحاد عقب صدور قرار مثير للجدل مساء الأحد، يقضي بإعفاء حسين العائب من منصبه كرئيس لجهاز المخابرات العامة الليبية. هذا القرار لم يمر مرور الكرام، بل تسبب في ردود فعل متباينة عكست عمق الفجوة داخل السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية في الدولة، مما يضع مستقبل استقرار البلاد على المحك في ظل تجاذبات مستمرة.
لم يكتفِ الأطراف بالاعتراض السطحي، بل فجر نائب رئيس المجلس الرئاسي، موسى الكوني، مفاجأة من العيار الثقيل عبر إعلانه الرفض القاطع لهذا البيان الصادر باسم المجلس. أكد الكوني أن ما تم نشره لا يعبر عن الحقيقة، مشدداً على أن هذه الخطوة تفتقر إلى أي توافق قانوني أو إجماع من أعضاء المجلس الرئاسي، وهو ما يهدد شرعية القرار ويجعله محل طعن مؤسسي وقانوني.

تفاصيل الاجتماع الخلافي: موسى الكوني يكشف الحقائق
أوضح موسى الكوني في بيانه الرسمي التوضيحي، أنه كان حاضراً في الاجتماع الذي انعقد عبر تقنية الاتصال المرئي في تمام الساعة الواحدة ظهراً، وهو ما ينفي الادعاءات التي روّجت لغيابه. أشار الكوني إلى أن الاجتماع شهد مداولات مكثفة حول تسمية قيادات الأجهزة السيادية، مثل المخابرات والأركان، دون التوصل إلى صيغة توافقية ملزمة تضمن سير العمل المؤسسي وفق الآليات المتفق عليها.
شدد نائب رئيس المجلس الرئاسي على أن جميع المقترحات التي طُرحت خلال الاجتماع لم تحظَ بموافقته، مؤكداً أن المجلس الرئاسي كونه سلطة جماعية، لا يحق لأي طرف فيه اتخاذ قرارات فردية تمس المناصب السيادية. أضاف الكوني أن غياب التوافق القانوني يجعل أي بيان صادر بهذا الشأن مجرد محاولة أحادية الجانب لا تكتسب أي قوة قانونية أو أثر مؤسسي ملزم.
اتهامات بالتضليل وضرب مصداقية المؤسسة السيادية
لم يتوقف النقد عند حدود عدم التوافق، بل ذهب موسى الكوني إلى اتهام الجهات التي أصدرت القرار بـ"التضليل المتعمد" للرأي العام الليبي. اعتبر الكوني أن إصدار بيان باسم المجلس الرئاسي يتضمن موافقات لم تصدر في الواقع يعد مخالفة جسيمة لمبادئ المسؤولية الوطنية، وإساءة بالغة لمصداقية المجلس الذي يُفترض به أن يكون رمزاً للوحدة الوطنية والقرار الجماعي.
حذر الكوني من أن مثل هذه الممارسات لا تؤدي سوى إلى تقويض الثقة في مؤسسات الدولة الليبية، وتعميق حالة الشك لدى المواطن في قدرة القيادة على إدارة الأزمات. إن هذه التصرفات، بحسب تعبيره، لا تخدم الصالح العام، بل تفتح الباب واسعاً أمام المزيد من التشكيك في نزاهة القرارات التي تصدر عن السلطة التنفيذية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ ليبيا.
البرلمان الليبي يحذر من "خلط الأوراق" وتأزيم المشهد
في سياق متصل، دخل مجلس النواب الليبي كطرف فاعل في هذه الأزمة، حيث أصدر المستشار عقيلة صالح بياناً شديد اللهجة عبّر فيه عن قلقه البالغ من التطورات المتسارعة. أكد صالح أن رئاسة البرلمان تتابع بدقة محاولات تغيير رؤساء الأجهزة الأمنية السيادية، واصفاً هذه التحركات بأنها تفتقر إلى التوقيت المناسب وتعمل على تأجيج المناكفات السياسية التي تعاني منها البلاد منذ فترة طويلة.
يرى رئيس مجلس النواب أن إثارة هذا الملف الحساس في ظل الظروف الحالية لا يمكن تفسيره إلا كمحاولة لخلط الأوراق وإرباك المشهد السياسي. أكد المستشار عقيلة صالح أن الشعب الليبي بحاجة إلى استقرار وتوحيد لمؤسساته، وليس خلق أزمات جديدة تشغل الرأي العام وتعيق المسار الانتخابي الذي تنتظره القواعد الشعبية للوصول إلى بر الأمان.
يُجمع المراقبون للشأن الليبي على أن تجاذبات الأيام الأخيرة تعكس صراعاً خفياً على النفوذ داخل الأجهزة الأمنية، والتي تُعتبر العمود الفقري لأي عملية استقرار قادمة. شدد المستشار عقيلة صالح في بيانه على أن الضرورة الوطنية تحتم النأي بهذه الأجهزة السيادية عن دائرة الصراعات والمناكفات الحزبية والسياسية الضيقة، لضمان أداء دورها بمهنية ومصلحة عليا للوطن.
تظل التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة الأطراف الليبية على العودة إلى طاولة التوافق وتجاوز هذه العقبات الإجرائية والسياسية. إن بقاء الوضع على ما هو عليه، مع استمرار الانقسام داخل المجلس الرئاسي وتصاعد لهجة التحذير من البرلمان، يضعف جهود توحيد المؤسسات ويُعقد المشهد المعقد أصلاً، مما يتطلب تدخلات حكيمة تعيد ترتيب الأولويات الوطنية بعيداً عن صراعات المناصب.