عبقرية وحيد حامد: رحلة البحث عن الحقيقة في دراما عرت جماعات التطرف
في الأول من يوليو، يحتفي محبو الفن المصري بذكرى ميلاد الراحل وحيد حامد، "الأستاذ" الذي لم يكن مجرد كاتب سيناريو، بل كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً صنع أعمالاً درامية جسدت نبض المجتمع المصري بكل فئاته بواقعية وصدق لا مثيل لهما.
لقد ابتكر وحيد حامد لغة خاصة في فن الحوار، وشيد عوالم شخصيات تبدو في ظاهرها بسيطة وسهلة الفهم، لكن المتأمل في تفاصيلها يجد نفسه أمام فلسفة عميقة تشرح تعقيدات النفس البشرية وتناقضات المجتمع، مما جعل أعماله تتجاوز حدود الترفيه لتصبح وثائق تاريخية واجتماعية لا يمحوها الزمن.

خاض حامد معارك فنية كثيرة لانتزاع الحقيقة وإخراج أعماله للنور، غير أن معركته الأشرس والأكثر خلوداً تجسدت في فيلم "طيور الظلام" الذي صدر عام 1995. لم يكن الفيلم مجرد عمل سينمائي عادي، بل كان صرخة فنية في وجه التزييف الفكري، حيث استطاع وحيد حامد بعبقريته الفذة أن يتنبأ بمسارات الجماعات المتطرفة قبل سنوات طويلة من وصولها إلى المشهد السياسي، وكأن قلمه كان مجهراً يرصد بذور الدمار في رحم المجتمع قبل أن تنمو وتنتشر.
"طيور الظلام".. نبوءة فنية سبقت الواقع بـ 15 عاماً
تعد قصة فيلم "طيور الظلام" واحدة من أبرز تجليات العبقرية الاستشرافية لدى وحيد حامد، حيث جسد فيها صراع المجتمع من خلال ثلاثة أصدقاء يعملون في مهنة المحاماة، لكل منهم مساره الذي يمثل اتجاهاً فكرياً: فتحي نوفل (عادل إمام) الذي يتحول من صاحب مبدأ إلى انتهازي متسلق يصعد اجتماعياً ليصبح مدير مكتب وزير، وعلي الزناتي (رياض الخولي) الذي ينضم للجماعات المتطرفة سعياً لفرض فكره الراديكالي، بينما يمثل محسن (أحمد راتب) الموظف البسيط المتمرد الذي يختار النأي بنفسه عن صراع القوى.
أثارت هذه الحبكة غضب الجماعة وقتها، لأنها كشفت أطماعهم الحقيقية وكيف يتخذون من الدين ستاراً لتحقيق مآرب سياسية، وهو ما أكدته تقارير حقوقية ودراسات اجتماعية صدرت لاحقاً حول "استراتيجيات التغلغل" التي تتبعها الجماعات المتطرفة في المؤسسات، حيث وثقت دراسات أعدها مركز "تريندز" للبحوث والاستشارات في أوراق بحثية سابقة كيف عملت هذه الجماعات على استقطاب الأفراد العاديين وتحويلهم إلى دمى طيعة، تماماً كما فعل وحيد حامد مع شخصية "علي الزناتي" الذي عشق الموسيقى قبل أن يغرق في مستنقع التطرف.
توثيق الانتهاكات والتحريض: حين تسبق السينما التحقيقات
لم يكتفِ وحيد حامد بالرصد، بل قدم تشريحاً نفسياً لآلية التجنيد التي تتبعها الجماعات، وهو ما أكدته تقارير الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الإرهاب في مراجعاتها لعام 2012 حول خطاب التحريض، حيث أشارت إلى أن الجماعات المتطرفة تستهدف الفئات التي تعاني من "أزمة هوية" أو "إحباط اقتصادي" لضمها إلى صفوفها. هذا التحليل الأممي يتطابق حرفياً مع ما قدمه حامد في مشهده العبقري الأخير بين فتحي وعلي، حيث يظهر جلياً أن الصراع بين السلطة والجماعة ليس إلا صراعاً على المصالح، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذا التدافع.
في تصريحات موثقة لعدد من الباحثين في الشؤون الإسلامية، أشاروا إلى أن كتابات وحيد حامد كانت تمثل "جرس إنذار" للمجتمع المصري، حيث كشف من خلال أعماله كيف يمكن للفكر المتطرف أن يستغل القانون والمهنة والقيم النبيلة لتفكيك بنية الدولة. ومن خلال مراجعة وقائع توثيقية سجلتها "اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان" خلال العقد الماضي، نجد أن الأساليب التي رصدها وحيد حامد في فيلمه، من حيث الابتزاز والتحريض واستخدام الشعارات، كانت هي ذاتها الأدوات التي استخدمتها الجماعة خلال فترة سيطرتها في عام 2012، مما يثبت أن الكاتب كان يمتلك بصيرة نافذة بعيدة المدى.
عبقرية الحوار والارتباط بالجمهور
ما يجعل جمهور وحيد حامد متمسكاً بأعماله حتى اليوم هو "صدق الحالة"، فالأستاذ كان يرفض السطحية، وكان يصر على تقديم صورة متكاملة للمجتمع دون تجميل أو تزييف. لقد كان حامد يدرك أن قوة الفن تكمن في قدرته على طرح الأسئلة الصعبة التي لا يجرؤ أحد على طرحها، وهو ما جعل أعماله مثل "طيور الظلام" و"الإرهاب والكباب" و"المنسي" علامات فارقة في تاريخ الدراما المصرية والعربية.
إن بقاء المشاهد الأخيرة من "طيور الظلام" في ذاكرة المشاهد العربي حتى بعد مرور أكثر من 30 عاماً على عرضه، ليس محض صدفة، بل هو دليل على أن وحيد حامد كان يتحدث بلسان حال كل مصري يخشى على وطنه. لقد نجح في تحويل السينما من مجرد وسيلة ترفيه إلى أداة لكشف الحقائق ومواجهة التطرف، تاركاً خلفه إرثاً فنياً يمثل مرجعاً للأجيال الجديدة لفهم كيف يمكن للكلمة الصادقة أن تكون أقوى من الرصاص في مواجهة الفكر المتطرف.
ختاماً، سيظل وحيد حامد حاضراً بأعماله التي لا تشيخ، ففي كل ذكرى ميلاد له، نستعيد ذكراه لنشكر هذا الأستاذ الذي علمنا كيف نقرأ المجتمع بعيون فاحصة، وكيف نؤمن بأن الحقيقة مهما تأخرت ستظهر من خلال الفن الرفيع. لقد كان حامد نسيجاً وحدَه، كاتباً ومفكراً وإنساناً استطاع أن يخلد اسمه ليس فقط في سجلات السينما، بل في وجدان كل من آمن بأن الحرية تبدأ من الوعي، وبأن الفن هو الحصن الأخير ضد كل محاولات الطمس والظلام.