الرئيس السابع عشر لجامعة الأزهر.. كيف قاد الدكتور محمد المحرصاوي واحدة من أهم مراحل التطوير والنهضة في تاريخ الجامعة؟
يُعد الراحل الدكتور محمد حسين المحرصاوي، الرئيس السابع عشر لجامعة الأزهر، أحد أبرز الشخصيات الأكاديمية التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الجامعة، بعدما قاد واحدة من أهم مراحل التطوير الإداري والعلمي والتكنولوجي، وأسهم في الارتقاء بمكانة جامعة الأزهر على المستويين المحلي والدولي، حتى أصبحت ضمن التصنيفات العالمية المرموقة بعد سنوات من العمل المتواصل.
ويمثل الدكتور محمد المحرصاوي نموذجًا للعالم الأزهري الذي جمع بين التميز العلمي والخبرة الإدارية، حيث نجح خلال سنوات رئاسته في إحداث طفرة كبيرة داخل جامعة الأزهر، سواء من خلال التوسع في إنشاء الكليات والمعاهد، أو تطوير البنية التحتية، أو تطبيق منظومة التحول الرقمي، إلى جانب تحسين التصنيف الدولي للجامعة، وهو ما جعله واحدًا من أكثر رؤساء الجامعة تأثيرًا في تاريخها الحديث.
وُلد الدكتور محمد حسين المحرصاوي في الحادي عشر من أغسطس عام 1962 بمحافظة القاهرة، لأسرة تنحدر أصولها من قرية المحرص التابعة لمركز ملوي بمحافظة المنيا، والتحق بالتعليم الأزهري منذ الصغر، حيث درس في معهد القاهرة الأزهري، قبل أن يلتحق بكلية اللغة العربية بالقاهرة، ويتخرج فيها عام 1985 بتقدير جيد جدًا.
وبعد تخرجه عمل مدرسًا بالمعاهد الأزهرية، قبل أن يُعيَّن معيدًا بقسم اللغويات بكلية اللغة العربية بالزقازيق عام 1989، ليبدأ رحلة أكاديمية طويلة تدرج خلالها في مختلف الدرجات العلمية.
وحصل المحرصاوي على درجة الماجستير عام 1992 من خلال رسالة تناولت عددًا من القضايا النحوية والصرفية في التراث العربي، ثم نال درجة الدكتوراه عام 1996 بمرتبة الشرف الأولى عن تحقيق ودراسة أحد أبرز كتب النحو، وهو ما عزز مكانته العلمية داخل جامعة الأزهر.
كما شهدت مسيرته الأكاديمية تجربة خارجية مهمة، بعدما أُعير إلى جامعة الملك خالد بالمملكة العربية السعودية عام 1999، واستمر بها حتى عام 2009، وأسهم خلالها في تطوير المناهج الدراسية وأساليب التدريس، كما حصل خلال فترة إعارته على درجتي أستاذ مساعد ثم أستاذ في تخصص اللغويات.
وعقب عودته إلى مصر، تولى منصب وكيل كلية اللغة العربية بالقاهرة عام 2011، ثم عُيّن عميدًا للكلية عام 2013، واستطاع خلال فترة قصيرة تنفيذ العديد من أعمال التطوير داخل الكلية، سواء على مستوى القاعات الدراسية أو المكتبات أو الخدمات التعليمية.
وفي مايو 2017، أصدر فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر قرارًا بتكليفه قائمًا بأعمال رئيس جامعة الأزهر، قبل أن يصدر قرار مجلس الوزراء بتعيينه رئيسًا رسميًا للجامعة في يونيو من العام نفسه، ثم جرى التجديد له عام 2021 حتى بلوغه السن القانونية.
وخلال فترة رئاسته، شهدت جامعة الأزهر سلسلة من الإنجازات التي غيرت وجه الجامعة بصورة كبيرة، حيث توسعت في إنشاء كليات جديدة، منها كليات التربية والصيدلة والتجارة، بالإضافة إلى إعادة الدراسة في بعض الكليات التي كانت متوقفة، مثل كلية الطب للبنات في أسيوط ودمياط.
كما شهدت الجامعة إنشاء 16 معهدًا تخصصيًا جديدًا، من بينها معاهد فنية للمختبرات ونظم المعلومات، بهدف مواكبة احتياجات سوق العمل، وإعداد كوادر مؤهلة في تخصصات حديثة.
ولم يقتصر التطوير على الجانب الأكاديمي فقط، بل امتد إلى تحديث المناهج الدراسية في الكليات الشرعية والعربية، مع توحيد الكتب الدراسية، وربطها بالتخصصات العلمية الحديثة، بما يحقق التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم التطبيقية.
وفي مجال الجودة، نجح المحرصاوي في حصول 24 كلية بجامعة الأزهر على شهادات الاعتماد والجودة من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، وهو ما ساهم في تحسين مستوى العملية التعليمية والبحثية داخل الجامعة.
كما أولى اهتمامًا كبيرًا بالبنية التحتية، حيث تم تطوير المبنى الإداري للجامعة، وتجديد قاعات مجلس الجامعة، وإنشاء كباري للمشاة حول الجامعة والمدينة الجامعية بالقاهرة، بهدف الحفاظ على سلامة الطلاب.
وكان التحول الرقمي أحد أبرز الملفات التي اهتم بها الدكتور المحرصاوي، إذ تبنى تطبيق نظام التعليم الهجين، وأنشأ معامل مركزية للاختبارات الإلكترونية في القاهرة والأقاليم، كما أطلق منظومة إلكترونية لتسكين الطلاب بالمدن الجامعية، واعتمد إنشاء أكثر من 200 ألف بريد إلكتروني للطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
كما أسهم في تأسيس المكتبة الرقمية للجامعة، وإنشاء مركز لقواعد بيانات الرسائل العلمية، بما يدعم الباحثين في تسجيل رسائلهم العلمية وفحص نسب الاقتباس، إلى جانب تطوير المجلات العلمية التابعة للجامعة.
وعلى المستوى الدولي، نجح في تعزيز مكانة جامعة الأزهر عالميًا، حيث دخلت الجامعة لأول مرة تصنيف «تايمز» العالمي، كما ظهرت ضمن تصنيف «US News» الأمريكي، وتقدمت في تصنيف «QS»، فضلًا عن تصدرها قائمة الجامعات الإفريقية في بعض التصنيفات الدولية.
وشارك المحرصاوي في العديد من المؤتمرات والمحافل العلمية الدولية، وزار عددًا من الدول، من بينها إيطاليا، وإندونيسيا، وماليزيا، وكازاخستان، وأوزبكستان، والإمارات، بهدف تعزيز التعاون العلمي والثقافي بين جامعة الأزهر والجامعات العالمية.
كما تولى خلال فترة رئاسته الإشراف العام على مركز الأزهر العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية، إلى جانب عضويته في مجمع البحوث الإسلامية، ومجلس إدارة اتحاد الجامعات الإفريقية، وعدد من الهيئات العلمية والتعليمية.
وأثرى الدكتور المحرصاوي المكتبة العربية بعدد كبير من المؤلفات والأبحاث المتخصصة في علوم اللغة والنحو والصرف، كما أشرف على عشرات الرسائل العلمية، وشارك في مناقشة العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه داخل مصر وخارجها.
وبعد انتهاء فترة رئاسته للجامعة، واصل عطاءه العلمي، حيث جرى تكريمه من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ثم تولى منصب نائب رئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، كما انتُدب رئيسًا للأكاديمية العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى.
وفي السابع والعشرين من مارس عام 2025، الموافق السابع والعشرين من رمضان 1446 هـ، رحل الدكتور محمد المحرصاوي عن عالمنا، بعد رحلة حافلة بالعطاء العلمي والإداري، وشُيعت جنازته من الجامع الأزهر في حضور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وقيادات الأزهر، وأعداد كبيرة من العلماء والطلاب.
ورغم رحيله، لا تزال الإنجازات التي تحققت في عهده شاهدة على مرحلة فارقة في تاريخ جامعة الأزهر، بعدما نجح في تحويل الجامعة إلى مؤسسة تعليمية أكثر حداثة، تجمع بين أصالة الأزهر العريقة ومتطلبات العصر، وترسخ مكانتها كواحدة من أعرق الجامعات الإسلامية في العالم.