الثقة بالنفس ليست وراثة.. خبيرة نفسية تكشف أسباب فقدانها
أكدت منى المرصفاوي، الأخصائي النفسي والـ"لايف كوتش"، أن الثقة بالنفس لا تُعد صفة يولد بها الإنسان، وإنما مهارة يمكن اكتسابها وتطويرها مع مرور الوقت، مشيرة إلى أن كثيرًا من الأشخاص يعتقدون أن الثقة بالنفس ترتبط بالعوامل الوراثية فقط، بينما تؤكد الدراسات النفسية أن البيئة والخبرات الحياتية تلعب الدور الأكبر في تكوين شخصية الإنسان.
وأوضحت المرصفاوي، خلال لقائها ببرنامج "صباح البلد" المذاع على قناة "صدى البلد"، أن علم النفس السلوكي يثبت أن العوامل الوراثية لا تمثل سوى نسبة تتراوح بين 30 و40% من تكوين الشخصية، في حين تساهم البيئة الأسرية، والتنشئة الاجتماعية، والمدرسة، والتجارب التي يمر بها الفرد، إضافة إلى طريقة إدراكه لنفسه، في تشكيل النسبة الأكبر من ثقته بنفسه.
وأضافت أن كثيرًا من الأشخاص يفقدون ثقتهم بأنفسهم نتيجة التعرض لتجارب سلبية منذ الصغر، مثل الانتقاد المستمر أو المقارنات أو التقليل من القدرات، إلا أن هذه التجارب لا تعني أن الشخص سيظل أسيرًا لها طوال حياته، مؤكدة أن الإنسان يستطيع إعادة بناء ثقته بنفسه إذا امتلك الرغبة الحقيقية في التغيير.
وأشارت إلى أن الاعتقاد بأن الشخصية ثابتة ولا يمكن تغييرها يُعد من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا، موضحة أن الإنسان قادر على اكتساب عادات جديدة وتغيير طريقة تفكيره، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ثقته بنفسه وقدرته على التعامل مع مختلف المواقف.
وأكدت أن أول خطوة نحو بناء الثقة بالنفس تبدأ بمعرفة الإنسان لنفسه بصورة واقعية، من خلال تحديد نقاط القوة التي يمتلكها والعمل على استثمارها، إلى جانب الاعتراف بنقاط الضعف دون خوف أو إنكار، لأن تجاهل المشكلات لا يؤدي إلى حلها، بينما يمثل الاعتراف بها بداية الطريق نحو التطوير.
وأضافت أن بعض الأشخاص يقعون في خطأ الاعتقاد بأن الثقة بالنفس تعني الكمال أو خلو الإنسان من العيوب، بينما الحقيقة أن الشخص الواثق بنفسه هو من يعرف عيوبه جيدًا، ويحاول تحسين ما يمكن تحسينه، ويتقبل في الوقت نفسه الأمور التي لا يستطيع تغييرها.
وأوضحت أن هناك فارقًا كبيرًا بين تقبل الذات والاستسلام للواقع، فالتقبل يعني إدراك الإنسان لما لا يستطيع تغييره، مثل بعض الصفات الشكلية أو الإمكانات الطبيعية، مع التركيز على تطوير الجوانب الأخرى التي يمكن تحسينها، أما الاستسلام فيعني التوقف عن السعي للتطور، وهو أمر مختلف تمامًا.
ولفتت إلى أن المقارنات المستمرة مع الآخرين تُعد من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تعرض نماذج قد تبدو مثالية، لكنها لا تعكس الحقيقة الكاملة لحياة أصحابها.
وأكدت أن الشخص الذي يقارن نفسه بالآخرين بشكل دائم يفقد القدرة على رؤية إنجازاته الشخصية، ويظل يشعر بالنقص مهما حقق من نجاحات، مشددة على أهمية أن تكون المقارنة الوحيدة مع الذات، من خلال تقييم مدى التقدم الذي يحققه الإنسان مقارنة بما كان عليه في الماضي.
وأشارت إلى أن البيئة المحيطة تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الثقة بالنفس أو إضعافها، موضحة أن الدعم الذي يحصل عليه الإنسان من أسرته وأصدقائه وزملائه يسهم في رفع معنوياته، بينما تؤدي البيئة السلبية المليئة بالإحباط والانتقاد إلى تقليل ثقته بنفسه بمرور الوقت.
وأضافت أن الأسرة تتحمل مسؤولية كبيرة في تكوين شخصية الأبناء، حيث إن أسلوب التربية القائم على التشجيع ومنح الطفل فرصة للتجربة وتحمل المسؤولية يساعده على بناء شخصية قوية، في حين يؤدي الإفراط في الانتقاد أو الحماية الزائدة إلى خلق شخصية مترددة تخشى الفشل.
وأكدت أن الخوف من ارتكاب الأخطاء يمثل أحد أبرز أسباب ضعف الثقة بالنفس، موضحة أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل يعد فرصة للتعلم واكتساب الخبرات، وأن الأشخاص الأكثر نجاحًا هم الذين تعاملوا مع إخفاقاتهم باعتبارها دروسًا ساعدتهم على التطور.
وأوضحت أن الثقة بالنفس ترتبط أيضًا بطريقة الحوار الداخلي الذي يدور داخل عقل الإنسان، فإذا اعتاد الشخص توجيه الانتقادات لنفسه بصورة مستمرة، فسوف تضعف ثقته بنفسه تدريجيًا، أما إذا تعلم تشجيع نفسه والاعتراف بإنجازاته، فسوف ينعكس ذلك بصورة إيجابية على حالته النفسية.
وشددت على أهمية ممارسة العادات الإيجابية التي تعزز الثقة بالنفس، مثل تحديد أهداف واقعية يمكن تحقيقها، والاحتفال بالنجاحات الصغيرة، والابتعاد عن جلد الذات، إلى جانب الاهتمام بالصحة الجسدية وممارسة الرياضة، لما لها من تأثير مباشر على الحالة النفسية.
واختتمت منى المرصفاوي تصريحاتها بالتأكيد على أن الثقة بالنفس ليست امتيازًا يحصل عليه بعض الأشخاص دون غيرهم، وإنما هي مهارة يمكن لأي إنسان اكتسابها إذا امتلك الإرادة، وعمل على تطوير نفسه، وتقبل ذاته، وتوقف عن مقارنة حياته بالآخرين، معتبرة أن رحلة بناء الثقة تبدأ بخطوة واحدة هي الإيمان بأن التغيير ممكن مهما كانت الظروف أو التجارب السابقة.