في القضاء، هناك من يطبق القانون، وهناك من يصنع مدرسة في فهم القانون وتطبيقه.
ومن بين هذه النخبة يبرز اسم المستشار علي الهواري، رئيس محكمة استئناف الإسماعيلية، بوصفه واحدًا من القامات القضائية التي لم تُعرف فقط بما أصدرته من أحكام أو تقلدته من مناصب، وإنما بما رسخته من منهج في التفكير، ورؤية في إدارة العدالة، وأثر ممتد في أجيال من رجال النيابة والقضاء.

منذ خطواتي الأولى في العمل الصحفي القضائي، كان اسم المستشار علي الهواري حاضرًا في كل مجلس يتحدث عن كبار رجال العدالة. لم يكن مجرد اسم يتردد، بل كان عنوانًا لهيبة العلم، ورجاحة العقل، وعمق الفهم، حتى أدركت مع مرور السنوات أن سر هذه المكانة لم يكن المنصب، وإنما الفكر.
المستشار علي الهواري.. مدرسة تقوم على البصر والبصيرة
وهب الله بعض الناس نعمة النظر، ووهب قلة منهم نعمة البصيرة. أما المستشار علي الهواري، فقد جمع بين النعمتين.
فهو يرى بعينيه الوقائع كما هي، ويرى ببصيرته ما وراء الأوراق.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في حديثه، تلك الفلسفة التي يرددها دائمًا، بأن القاضي لا يكفي أن يقرأ ملف الدعوى، بل يجب أن يقرأ المجتمع أيضًا.
كان يرى أن القاضي ينبغي أن تكون عيناه مفتوحتين على الواقع، وأن يدرك التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لأن العدالة لا تُمارس في فراغ، وإنما بين بشر، وفي مجتمع يتغير كل يوم.
ولهذا كان يؤمن بأن القاضي الذي ينعزل عن مجتمعه، يفقد جزءًا من قدرته على تحقيق العدالة.
المستشار علي الهواري.. عندما يتحدث.. ينصت الجميع
في المجالس القانونية، لا يحتاج المستشار علي الهواري إلى رفع صوته حتى يُسمع.
يكفي أن يبدأ الحديث، حتى يسود الصمت.
ليس لأن الجميع يجاملونه، وإنما لأنهم يدركون أن كل كلمة تحمل تجربة، وكل رأي يستند إلى علم، وكل رؤية خرجت من سنوات طويلة بين النيابة ومنصة القضاء.
حديثه لا يعتمد على البلاغة بقدر ما يعتمد على المنطق.
ولا يبحث عن إقناع الآخرين بقدر ما يقدم رؤية تدفعهم إلى التفكير.
ولهذا ظل محل احترام مختلف الأجيال.
القضاء رسالة قبل أن يكون وظيفة
من يتأمل مسيرة المستشار علي الهواري يدرك أنه ينتمي إلى مدرسة تعتبر القضاء رسالة أخلاقية ووطنية، قبل أن يكون عملًا وظيفيًا.
فالمنصب عنده لا يصنع القاضي، وإنما يصنعه علمه، ونزاهته، وشجاعته، واستقلاله.
وكان دائم التأكيد أن القاضي لا يحكم فقط بين خصمين، بل يحافظ على ثقة المجتمع بأكمله في العدالة.
وهذه الثقة هي أثمن ما تملكه السلطة القضائية.
المستشار علي الهواري.. قراءة الواقع.. جزء من تحقيق العدالة
ربما تكون أكثر الأفكار التي ميزت المستشار علي الهواري، إيمانه بأن النصوص وحدها لا تكفي.
فالقانون يُفسَّر في ضوء الواقع، والوقائع تُفهم في ضوء ظروفها، والقاضي الحقيقي هو الذي يوازن بين دقة النص، وفهم الحياة.
ولهذا كان يؤكد أن القاضي لا ينبغي أن يعيش بعيدًا عن نبض الناس، بل عليه أن يعرف ما يحيط به من تغيرات، وأن يفهم طبيعة المجتمع الذي يحكم باسمه.
إنها رؤية تعكس إدراكًا عميقًا بأن العدالة ليست عملية حسابية جامدة، وإنما رسالة إنسانية يحكمها القانون ويهديها الضمير.
المستشار علي الهواري.. أثر لا تصنعه المناصب
كثيرون تقلدوا مناصب كبيرة، لكن قليلين تركوا أثرًا يتجاوز المنصب.
المستشار علي الهواري من هذه الفئة.
فقد صنع مكانته بعلمه قبل منصبه، وباحترام الناس قبل الألقاب، وبمدرسة فكرية ما زالت حاضرة في وجدان كثير من رجال القضاء الذين تعلموا منه، أو استمعوا إليه، أو تتلمذوا على رؤيته.
ولهذا، عندما يُذكر اسمه، لا يُذكر باعتباره مسؤولًا سابقًا أو قاضيًا بارزًا فحسب، وإنما باعتباره مدرسة قضائية متكاملة، تؤمن بأن العدالة لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بعقول مستنيرة، وضمائر يقظة، وقضاة يمتلكون البصر والبصيرة معًا.
إن قيمة القامات القضائية الكبيرة لا تُقاس بعدد الأحكام التي أصدرتها، وإنما بما غرسته من أفكار، وما تركته من أثر في الأجيال اللاحقة.
والمستشار علي الهواري يظل أحد هؤلاء الذين تحولوا من اسم في سجل القضاء إلى مدرسة يتعلم منها رجال القانون، ويستحضرونها كلما دار الحديث عن الحكمة، وسعة الأفق، وفهم رسالة العدالة.

