شهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) محطات مفصلية عديدة على امتداد تاريخه، من الحرب الباردة إلى مرحلة ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ثم الغزو الروسي لأوكرانيا. غير أن قلة من هذه المحطات تركت أثرًا في الحلف بقدر ما فعلت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وما يميز هذا التحول ليس مجرد تغير في الخطاب الأميركي أو أسلوب القيادة، بل تحولًا جوهريًا في الكيفية التي ينظر بها الناتو إلى تقاسم الأعباء، والمسؤولية الاستراتيجية، ومستقبل الأمن عبر الأطلسي.
على مدى عقود، استند الحلف إلى معادلة غير متوازنة أصبحت مع مرور الوقت واقعًا مألوفًا. فقد تحملت الولايات المتحدة النصيب الأكبر من القدرات العسكرية، والقيادة الاستراتيجية، والموارد المالية، بينما حافظ عدد من الحلفاء الأوروبيين على مستويات إنفاق دفاعي تقل كثيرًا عن الأهداف المتفق عليها داخل الحلف. ورغم أن إدارات أميركية متعاقبة أعربت عن استيائها من هذا الوضع، فإن أياً منها لم يتحدَّه بالقدر نفسه من الاستمرارية والحزم اللذين اتسم بهما نهج ترامب.
وقد وُصفت انتقادات ترامب للحلفاء الأوروبيين بأنها مثيرة للانقسام، وقائمة على منطق الصفقات، بل واعتبرها البعض مضرّة بوحدة الحلف. ورأى قادة سياسيون ومحللون في أوروبا أن خطابه أضعف الثقة في التزام الناتو بمبدأ الدفاع الجماعي، وشجع خصوم الولايات المتحدة على التشكيك في تماسك الحلف.
إلا أن السنوات التي أعقبت ذلك كشفت واقعًا أكثر تعقيدًا. فسواء اتفق المرء مع أساليب ترامب أو رفضها بالكامل، بات من الصعب إنكار أن الضغوط التي مارسها دفعت الناتو إلى مواجهة اختلالات هيكلية ظل يتجاهلها لعقود. وما اعتبره كثيرون مواجهة سياسية غير مسبوقة، تحول تدريجيًا إلى عملية تحول مؤسسي داخل الحلف، انتقل معها من ثقافة الاعتماد إلى نهج يقوم على قدر أكبر من المسؤولية المشتركة.
وجسدت قمة الناتو التي انعقدت في مدينة لاهاي في يونيو 2025 هذا التحول. فالقرار الذي اتخذته الدول الأعضاء بالالتزام برفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 لم يكن مجرد تعهد مالي، بل إقرارًا بأن البيئة الأمنية الدولية لم تعد تسمح لأوروبا بالاعتماد في المقام الأول على الحماية العسكرية الأميركية، مع الاستمرار في تأجيل القرارات الداخلية الصعبة المتعلقة بزيادة الإنفاق الدفاعي.
كما عكس الاتفاق إدراكًا متزايدًا بأن الردع لا يتحقق بالتصريحات السياسية وحدها، وإنما يتطلب استثمارات مستدامة في القدرات العسكرية، والصناعات الدفاعية، والابتكار التكنولوجي، والجاهزية العملياتية.
ويمثل هذا التطور تحولًا مهمًا مقارنة بالناتو قبل رئاسة ترامب. ففي السابق، انصبت مناقشات الحلف بصورة رئيسية على طمأنة الدول الأعضاء في الجناح الشرقي، وإدارة العمليات خارج أوروبا، والحفاظ على التوافق السياسي بين الحلفاء. ورغم أن أهداف الإنفاق الدفاعي كانت حاضرة باستمرار في النقاشات، فإن تنفيذها ظل متفاوتًا، فيما بقي الافتراض بأن الولايات المتحدة ستتولى في نهاية المطاف تعويض أوجه القصور الأوروبية أمرًا لا يكاد يثير التساؤل.
أما اليوم، فيعمل الناتو وفق منطق استراتيجي مختلف. فقد باتت الحكومات الأوروبية تدرك بصورة متزايدة أن الأمن لا يمكن الاعتماد إلى ما لا نهاية على الآخرين لتوفيره. كما عززت الحرب في أوكرانيا الحاجة الملحة إلى رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في حين أبرزت المنافسة الجيوسياسية مع روسيا، وتصاعد النفوذ الصيني، الحاجة إلى بناء قدرات دفاعية أوروبية أكثر قوة.
ونتيجة لذلك، أصبح الإنفاق الدفاعي عنصرًا محوريًا في السياسات الوطنية، بعد أن كان يُنظر إليه بوصفه هدفًا سياسيًا ثانويًا. كما برزت الصناعات العسكرية، والمرونة التكنولوجية، والقدرة الصناعية، باعتبارها أولويات لا تقل أهمية عن الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، يستحق دور ترامب قراءة متأنية بعيدًا عن الثناء أو الانتقاد المبسط. فلا شك أن نهجه أوجد توترات مع الحلفاء التقليديين، وتحدى أعرافًا دبلوماسية راسخة، بل وأثار في بعض الأحيان شكوكًا بشأن موثوقية الالتزامات الأميركية. وفي المقابل، يصعب تجاهل أن إصراره على تقاسم الأعباء سرّع نقاشات كانت مؤجلة لسنوات، ودفع الحلف إلى التكيف مع واقع استراتيجي جديد يُتوقع فيه من كل عضو أن يتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع الجماعي، بدلًا من أن يؤدي ذلك إلى تفككه كما توقع كثيرون.
ولا تقتصر أهمية هذا التحول على الجانب المالي، بل تعكس تغيرًا أوسع في التفكير السياسي داخل الناتو. فقد بات الأمن الجماعي يُفهم بصورة متزايدة باعتباره شراكة تقوم على التزامات متبادلة، لا منظومة تعتمد أساسًا على القيادة الأميركية.
ولا ينتقص ذلك من أهمية الولايات المتحدة داخل الحلف؛ فواشنطن لا تزال القوة العسكرية التي لا غنى عنها في الناتو. لكن ما تغير هو تزايد القناعة بأن أمن أوروبا ينبغي أن يستند بدرجة أكبر إلى القدرات الأوروبية، إلى جانب استمرار الانخراط الأميركي.
ومن هذا المنطلق، تكتسب القمة المقبلة للناتو في تركيا أهمية استراتيجية كبيرة. فهي لن تقتصر على مراجعة الالتزامات العسكرية التي أُقرت في لاهاي، بل ستختبر أيضًا قدرة الحلف على الحفاظ على زخمه الجديد في ظل إدارة التباينات بين أعضائه.
وتتمتع تركيا بموقع فريد داخل الناتو، فهي قوة إقليمية بارزة، وفي الوقت نفسه دولة تنتهج في كثير من الأحيان سياسة خارجية مستقلة. ويجسد دورها الطبيعة المتغيرة للحلف، حيث لم تعد الوحدة تعني تطابق المواقف السياسية، بل الالتزام المشترك بالدفاع الجماعي رغم اختلاف المصالح الوطنية.
وفي نهاية المطاف، تكشف المقارنة بين الناتو قبل ترامب والناتو اليوم عن حلف أصبح أكثر مطالبةً لأعضائه بتحمل مسؤولياتهم، وأكثر واقعية في تقديراته، وربما أكثر قدرة على الصمود.
فقبل بروز ترامب، كان الحلف يعتمد إلى حد كبير على افتراض أن القيادة الأميركية ستظل دائمة وغير مشروطة. أما اليوم، فقد أفسحت تلك القناعة المجال لفهم أكثر توازنًا لمسؤولية الدفاع الجماعي. ولم يتخلَّ الناتو عن مبادئه التأسيسية، لكنه أعاد تعريف الوسائل التي تكفل الحفاظ عليها.
وغالبًا ما يحكم التاريخ على القادة السياسيين من خلال المؤسسات التي يتركونها خلفهم، أكثر مما يحكم عليهم استنادًا إلى الجدل الذي يحيط بهم أثناء وجودهم في السلطة. ومن المؤكد أن علاقة دونالد ترامب بحلف الناتو ستظل واحدة من أكثر ملفات رئاسته إثارة للنقاش. ومع ذلك، تشير الوقائع إلى أن التحدي الذي فرضه على الحلف دفعه إلى مواجهة مواطن ضعف طال إهمالها، وسرّع وتيرة إصلاحات كانت حكومات عديدة مترددة في الإقدام عليها. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا التحول سيعزز قوة الناتو خلال العقود المقبلة، إلا أن ما يبدو واضحًا اليوم هو أن الحلف الذي يتشكل الآن يختلف، في جوهره، عن ذلك الذي كان قائمًا قبل عودة ترامب إلى السلطة.
