بنى دونالد ترامب واحدة من أقوى الحركات السياسية في التاريخ الأمريكي الحديث على وعد بسيط: أن أمريكا قد تراجعت، وأنه سيعيد إليها عظمتها.
لم يكن شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» مجرد شعار انتخابي، بل تحول إلى لغة عاطفية وطنية بالنسبة لملايين الأمريكيين الذين شعروا بأن العولمة تخلّت عنهم، وأن النخب السياسية تجاهلتهم، وأن ارتفاع تكاليف المعيشة والاضطراب الثقافي يثقلان كاهلهم. لقد فهم ترامب شيئًا لم يفهمه كثير من السياسيين: فالناس لم يكونوا غاضبين بسبب المال وحده، بل بسبب الكرامة والهوية، وبسبب شعورهم بأن البلاد لم تعد تعمل لصالح المواطنين العاديين.
وقد اكتسبت هذه الرسالة قوة سياسية هائلة لأنها ارتبطت بمعاناة حقيقية.
فمجتمعات بأكملها شاهدت المصانع وهي تختفي، والأجور وهي تراوح مكانها، والسكن وهو يصبح بعيد المنال، والثقة الاجتماعية وهي تنهار.
ولعقود طويلة، قيل للأمريكيين إن العولمة ستخلق الرخاء للجميع، لكن كثيرين عاشوا تجربة مغايرة تمامًا. فقد تركزت الثروة في المدن الكبرى والأسواق المالية، بينما كانت البلدات الصغيرة ومجتمعات الطبقة العاملة تكافح من أجل البقاء.
وهنا دخل ترامب إلى قلب هذا الإحباط وحوّله إلى حركة سياسية.
لكن السؤال المحوري اليوم أصبح لا مفر منه: إذا كان من المفترض أن تصبح أمريكا «عظيمة مجددًا»، فلماذا يشعر هذا العدد الكبير من الأمريكيين بأنهم أضعف اقتصاديًا، وأكثر قلقًا، وأكثر انقسامًا مما كانوا عليه في السابق؟
يكمن جزء من الإجابة في الفارق بين الحملة الانتخابية والحكم. فالحملات الانتخابية تعيش على اليقين والوضوح العاطفي، أما الحكم فيصطدم بتعقيدات الاقتصاد.
لقد وعد ترامب باستعادة سريعة لبلد يواجه مشكلات تراكمت عبر عقود.
فالتضخم، ونقص المساكن، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، والديون، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع فجوة اللامساواة، لم تنشأ بين ليلة وضحاها، ولا يمكن التراجع عنها بسرعة.
ومع ذلك، فعندما تعد حركة سياسية بإحياء الأمة، يتوقع الناس تحسنًا ملموسًا في حياتهم اليومية.
وعندما لا يأتي هذا التحسن بالسرعة الكافية، يصبح الإحباط أعمق من مجرد خيبة أمل سياسية عادية، لأن التوقعات كانت مرتفعة للغاية منذ البداية.
كما أن الاقتصاد الأمريكي الحديث يخلق مفارقة غريبة.
فقد توحي الإحصاءات الرسمية بالاستقرار، بينما تبدو الحياة اليومية أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فقد تظل معدلات البطالة منخفضة نسبيًا، وقد تواصل أسواق الأسهم ارتفاعها، لكن ملايين الأمريكيين ما زالوا يشعرون بأنهم عالقون في ضائقة مالية مستمرة.
والسبب بسيط: فالناس لا يعيشون الاقتصاد من خلال تقارير الناتج المحلي الإجمالي أو العناوين المالية، بل من خلال الإيجار، وأسعار المواد الغذائية، وأقساط التأمين، وتكاليف رعاية الأطفال، والديون، والخوف من أن يؤدي طارئ واحد إلى القضاء على مدخراتهم. لقد غيّر التضخم العلاقة النفسية بين الأمريكيين والاقتصاد، لأن الأسعار ارتفعت بوتيرة أسرع من شعور الناس بالأمان.
وحتى عندما يتباطأ التضخم، فإن الأسعار نادرًا ما تعود إلى مستوياتها السابقة.
فالأسر تتذكر كم كانت تكلف الحياة في الماضي، وكثير منها يشعر اليوم بأنه أصبح أفقر بصورة دائمة.
وهنا يواجه المشروع الاقتصادي القومي الذي يتبناه ترامب أكبر تناقضاته.
فحركته ترى أن على الولايات المتحدة إعادة بناء صناعاتها المحلية، وتقليص اعتمادها على التصنيع الخارجي، ومواجهة الصين اقتصاديًا، وتشديد سياسات الهجرة لحماية العمال الأمريكيين.
وهذه الأهداف تلقى صدى لدى من يعتقدون أن العولمة قد أفرغت البلاد من قوتها الاقتصادية.
غير أن إعادة هيكلة اقتصاد عالمي بُني على مدى أربعين عامًا لا تأتي بلا ثمن.
فالرسوم الجمركية قد تحمي بعض الصناعات، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى ارتفاع الأسعار.
والحد من العمالة منخفضة التكلفة قد يعزز القوة التفاوضية للعمال، لكنه قد يرفع تكاليف الإنتاج على الشركات.
كما أن إعادة التصنيع قد تمنح البلاد قوة استراتيجية طويلة الأمد، لكنها قد تفرض في المقابل معاناة اقتصادية قصيرة الأجل.
والحقيقة غير المريحة هي أن كثيرًا من الأمريكيين يريدون أمرين في الوقت نفسه: فهم يريدون أن تصبح بلادهم أكثر استقلالًا اقتصاديًا، لكنهم يريدون أيضًا الأسعار المنخفضة التي أوجدها النظام العالمي ذاته الذي ينتقدونه.
ويقع هذا التوتر في قلب السياسة الأمريكية المعاصرة. فالبلاد تريد الاستعادة دون تضحية، لكن التحولات الاقتصادية الكبرى نادرًا ما تتحقق بهذه الطريقة.
وفي الوقت نفسه، فإن تحميل ترامب وحده مسؤولية هذا الوضع يغفل حقيقة أعمق.
فأزمة أمريكا الراهنة لم تظهر فجأة مع ولاية رئاسية واحدة. فالطبقة الوسطى كانت تضعف على مدى عقود في ظل الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء.
كما أن أسعار المساكن انفصلت عن مستويات الأجور قبل عودة ترامب إلى السلطة بسنوات طويلة.
وتضخمت تكاليف الرعاية الصحية عبر إدارات متعاقبة، بينما تراكمت ديون الطلاب عامًا بعد عام، في وقت أخفق فيه قادة الحزبين في معالجة المشكلات البنيوية الأساسية.
كما أن الثقة بالحكومة ووسائل الإعلام والشركات الكبرى وحتى الجامعات تآكلت تدريجيًا مع مرور الوقت.
لم يخترع ترامب هذا التصدع، لكنه أصبح التعبير السياسي عنه.
وما يجعل هذه اللحظة خطيرة على نحو خاص هو أن الأمريكيين لم يعودوا يتشاركون فهمًا موحدًا للواقع نفسه.
فهناك من يرى الصمود والتعافي الاقتصادي، وهناك من يرى التراجع والانهيار.
وأصبحت الهوية السياسية تؤثر بصورة متزايدة في الطريقة التي يفسر بها الناس كل حقيقة اقتصادية.
واليوم لم يعد الأمريكيون يختلفون حول الحلول فحسب، بل حول ما إذا كانت البلاد تنجح أو تفشل في الأساس.
وهذا يخلق مستوى من الإرهاق الوطني لا تستطيع الإحصاءات وحدها قياسه.
وربما لا تكمن المشكلة الأعمق في الاقتصاد بمعناه الضيق أصلًا، بل في البعدين النفسي والثقافي. فبالنسبة لكثير من المواطنين، لم تعد البلاد تبدو متماسكة.
فالمؤسسات تبدو ضعيفة، والسياسة تبدو ساحة صراع دائم، والثقة الاجتماعية تواصل التآكل، فيما أصبحت الحياة العامة تُدار على نحو متزايد عبر الغضب والاستقطاب والصراعات الهوياتية.
الأمريكيون أكثر اتصالًا ببعضهم رقميًا من أي وقت مضى، لكنهم أكثر عزلة اجتماعيًا.
وهم يستهلكون يوميًا كميات لا تنتهي من الصراع السياسي، بينما يشعرون بأن قدرتهم على التحكم في حياتهم الخاصة تتراجع.
وفي مثل هذه البيئة يصبح القلق الاقتصادي غير قابل للفصل عن القلق النفسي.
وتعكس رئاسة ترامب هذا التحول الأوسع في المجتمع الأمريكي.
فصعوده لم يكن متعلقًا بالسياسة المحافظة فحسب، بل كان تعبيرًا عن أمة تبحث عن اليقين في زمن الاضطراب.
فقد رأى فيه مؤيدوه شخصًا مستعدًا لمواجهة النخب، وتحدي الأنظمة العالمية، والتعبير مباشرة عن الإحباطات التي تجاهلها كثير من القادة.
أما منتقدوه فرأوا فيه شخصية عمّقت الانقسام، وعززت انعدام الثقة بالمؤسسات، وحولت الغضب الوطني إلى أسلوب دائم في الحكم.
وفي الواقع، يحمل كل من هذين التفسيرين جانبًا من الحقيقة.
وما أصبح يتضح أكثر فأكثر هو أن أزمة أمريكا لا يمكن حلها بالشعارات وحدها.
فقد نجح شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» سياسيًا لأنه منح الناس الأمل في إمكانية عكس مسار التراجع. لكن استعادة الثقة في أمة ما تتطلب أكثر من الخطابة السياسية.
فهي تتطلب قدرة الناس على تحمل تكاليف المعيشة، ومؤسسات جديرة بالثقة، واستقرارًا اجتماعيًا، ومجتمعات محلية فاعلة، وإيمانًا بأن الأجيال القادمة ستعيش حياة أفضل من الجيل الحالي.
وفي الوقت الراهن، لم يعد كثير من الأمريكيين يؤمنون بذلك.
وربما تكون هذه هي الحقيقة الأهم على الإطلاق.
فأعظم خطر يواجه الولايات المتحدة ليس التضخم، ولا الديون، ولا الاستقطاب السياسي، ولا حتى حالة عدم اليقين الاقتصادي. بل هو التآكل البطيء للثقة الوطنية. فعندما يبدأ مجتمع ما في فقدان إيمانه بمستقبله، تبدو كل أزمة أكبر مما هي عليه، ويصبح كل انقسام أكثر حدة، ويُقاس كل قائد ليس فقط بنتائجه، بل بقدرته على إعادة الأمل ذاته.
وهذا هو التحدي الذي يواجه اليوم ترامب، كما يواجه الدولة التي وعد بإنقاذها.
