سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة تحدد هل تحول الذكاء الاصطناعي من نعمة إلى نقمة؟
وهل انتهى عصر الانبهار بتقنيات الذكاء الاصطناعي وأصبحنا نعيش حالة من الهلع تخوفا من مخاطره على البشرية، وتوغله في حياة الإنسان، وانسلاخه من القيم الأخلاقية والإنسانية؟
وما مخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي؟
تساؤلات مهمة انبثقت من تطورات متسارعة ، ورؤى وأطروحات متعددة، وتصريحات تحتاج إلى التعمق فيها حيال الذكاء الاصطناعي.
هناك تصريحان يجسدان الوضع الراهن لتطورات الذكاء الاصطناعي.
التصريح الأول لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الذي سلط الضوء على جانب من الجوانب المهمة وهي "أخلاقيات توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي" في شتى المجالات ومنها المجال الإعلامي، حيث أكد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أثناء استقباله للأمين العام للأمم المتحدة بمشيخة الأزهر لإطلاق مبادرة الأمم المتحدة الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يثير "مخاوف حقيقية" بشأن تأثيره على القيم الأخلاقية والإنسانية، لافتا النظر إلى أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات بدأ ينعكس سلباً على التفكير والإبداع، بل أصبح وسيلة لترسيخ بعض السلوكيات السلبية، والتحايل على القيم، وسرقة جهود الآخرين، محذرا من أن غياب منظومة أخلاقية حاكمة تحكم عمل الذكاء الاصطناعي قد يقود العالم إلى مستقبل تتراجع فيه كرامة الإنسان، وتتآكل فيه المبادئ التي جاءت بها الرسالات السماوية. وقد يؤدي الاستخدام المتسارع لهذه التقنيات -بلا ضوابط أخلاقية - إلى تفريغ العقول، وإضعاف الإنسان، وتهديد مستقبل البشرية بأسرها.
وعلى الجانب الآخر، صرح إيلون ماسك قائلاً:« سنزرع في عقول البشر شرائح سيبرانية ستعطيهم قوى خارقة.. المشلول سيمشي، والأعمى سيبصر، والأخرس سيتكلم.» وهو تصريح يوضح بجلاء أن الذكاء الاصطناعي يمضي قدما وبخطوات متسارعة نحو انجرار البشرية إلى المجهول.
وبالتعمق في هذين التصريحين نجد أن تصريح فضيلة الإمام الأكبر يضع الأمور في نصابها الصحيح، ويزن الأمور من منطلق أخلاقي وإنساني يراعي الجوانب الأخلاقية والقيمية، والمصالح العليا لبني البشر.
وعلى خلاف ذلك فإن "تصريح إيلون ماسك" يفتح الطريق واسعا أمام الاستخدام المفرط لهذه التقنيات دون تقيد بجوانب أخلاقية أو قيمية، وهو تصريح يطلق سراح التكنولوجيا لتعبث في البشرية دون قواعد حاكمة أو ضوابط ملزمة.
ومن بين ثنايا هذه التصريحات يتضح جلياً أننا أمام واقع جديد، وتحد بالغ الخطورة يتمثل في توغل تقنيات الذكاء الاصطناعي في شتى مناحي الحياة، وأن هناك "مخاطر جمة" جراء الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي.
ومن بين هذه المخاطر التي ترتبط بالمجال الإعلامي:
١ـ قدرة هذه التقنيات على استنساخ الأصوات وانتهاك حقوق التأليف.
فعلى سبيل المثال، تزايدت مخاوف السينما الفرنسية بسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تقوم باستنساخ صور الممثلين وأصواتهم، بعدما قامت بعض البرمجيات الصينية بانتهاكات حقوق التأليف، ونشر تسجيل مصور ضمن مجموعة واسعة من التسجيلات المولدة بالذكاء الاصطناعي، والتي تظهر مواجهة بين توم كروز وبراد بيت أحدثت انتشاراً واسعاً بين الجمهور، في ظل انتشار استنساخ أصوات الممثلين والممثلات دون إذن.
٢-ومن المخاطر ـأيضا- تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يتعارض مع مصالح المستخدمين، حيث ابتكرت شركة "أنثروبيك" إحدى الشركات الكبرى للذكاء الاصطناعي نظام "كلود" يتيح لرواد هذه التكنولوجيا التوافق على إبطاء تطورها، أو تعليقه ريثما تتمكن البشرية من التكيف معها، بعدما كشفت تسريبات من قاعدة بيانات غير مؤمنة عن مشروع جديد لدى هذه الشركة يحمل اسم Claude Mythos" وصف داخليا بأنه يمثل مستوى غير مسبوق من المخاطر في مجال الأمن السيبراني.
وتزداد هذه المخاطر في ظل سعي "إيلون ماسك " صاحب شركة "سبيس إكس" التي تضم مختبر الذكاء الاصطناعي"إكس إيه آي" إلى إطلاق أكبر اكتتاب عام في البورصة في التاريخ، وهو ما يؤدي إلى تضخيم المخاطر و " تسويق الخوف".
٣-ومن أبرز المخاطر -أيضا- التحديات المتزايدة بشأن نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتيح مقاومة الرقابة البشرية، وقيام بعض هذه النماذج بتقديم معلومات مضللة حول أداء نماذج ذكية أخرى، أو رفض تنفيذ أوامر تؤدي إلى إيقافها، خاصة عندما تصنف تلك النماذج الذكية ضمن فئة عالية الثقة وعالية الأداء، وظهور سلوكيات لبعض النماذج تضمنت الكذب، وتضخيم النتائج، والتلاعب بالإعدادات، وتسريب بيانات حساسة، والتلاعب ببيانات تقنية، وذلك يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على التلاعب بالأنظمة الاتصالية والتقنية التي لا يستطيع البشر مجاراتها.
٤- ومن بين المخاطر التي أنتجها الذكاء الاصطناعي الإعلامي انتشار المحتوى الزائف والمضامين الكاذبة، والشائعات المغرضة التي تستهدف استقرار الأمم والشعوب، وتذويب الهوية، والتحلل من القيم الأخلاقية والإنسانية، وهي مخاطر تحتاج إلى وعي رقمي للتخلص من مغباتها وآثارها المدمرة.
وفي الختام فإن هذه المبادرات التي أولاها الأزهر الشريف رعايته، وأرست قواعدها الدولة المصرية لهي سبيل النجاة من هذه المخاطر التي أحاطت بالبشرية، وحولت التقدم التقني إلى حالة من التهديد والخوف تحتاج إلى الحلول الناجزة والمبادرات الناجحة التي تعيد التكنولوجيا إلى مسارها الصحيح لخدمة البشرية والإنسان وعمارة الأكوان في سائر الأقطار والأزمان.
- الذكاء الاصطناعي
- الإعلام والذكاء الاصطناعي
- مخاطر الذكاء الاصطناعي
- أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
- الإمام الأكبر أحمد الطيب
- شيخ الأزهر
- الأزهر الشريف
- إيلون ماسك
- الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة
- الأمم المتحدة
- القيم الأخلاقية والإنسانية
- مستقبل البشرية
- الإعلام الرقمي
- الذكاء الاصطناعي في الإعلام
- مخاطر الذكاء الاصطناعي في الإعلام
- أخلاقيات الإعلام







