ads
الخميس 23 يوليو 2026
رئيس التحرير
محمد الطوخي

لماذا ترتفع لدغات الأفاعي والعقارب في المغرب صيفًا؟

تعبيرية
تعبيرية

أعادت وفاة طفلة مغربية تبلغ من العمر 11 عامًا، بعد تعرضها للدغة أفعى سامة، تسليط الضوء مجددًا على المخاطر التي تمثلها الأفاعي والعقارب في عدد كبير من المناطق القروية والجبلية بالمغرب، خاصة مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وهو ما يؤدي إلى زيادة نشاط الزواحف السامة وخروجها من أماكن اختبائها الطبيعية، الأمر الذي يرفع احتمالات تعرض السكان للدغات قد تتحول في بعض الحالات إلى مآسٍ إنسانية.

وأثارت الواقعة حالة واسعة من الحزن بين المواطنين، بعدما فارقت الطفلة الحياة داخل المركز الاستشفائي الإقليمي بمدينة أزيلال، عقب معاناة استمرت قرابة أسبوع نتيجة مضاعفات صحية ناجمة عن تعرضها للدغة أفعى في منطقة الوجه، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة تعزيز وسائل الوقاية، وتكثيف حملات التوعية الصحية، ودعم المراكز الطبية بالمناطق النائية للتعامل السريع مع مثل هذه الحالات.

إصابة جديدة بلدغة عقرب

ولم تكن حادثة الطفلة الوحيدة، إذ تزامنت مع تعرض رجل للدغة عقرب وُصفت حالته بالخطيرة، ما استدعى نقله إلى المركز الاستشفائي الجهوي بمدينة بني ملال لاستكمال العلاج وتلقي الرعاية الطبية اللازمة، في واقعة جديدة تعكس تزايد مخاطر اللدغات السامة خلال أشهر الصيف، التي تشهد عادة ارتفاعًا ملحوظًا في نشاط العقارب والأفاعي داخل المناطق الجبلية وشبه الصحراوية.

وتؤكد هذه الحوادث المتكررة أن فصل الصيف يمثل فترة ذروة لنشاط الزواحف السامة، حيث تدفع درجات الحرارة المرتفعة الأفاعي والعقارب إلى مغادرة جحورها والبحث عن أماكن أكثر اعتدالًا، وهو ما يزيد من فرص احتكاكها بالبشر داخل الحقول والمزارع والمنازل القريبة من المناطق الصخرية والغابات.

لماذا تزداد اللدغات في الصيف؟

يرجع خبراء البيئة ارتفاع أعداد لدغات الأفاعي والعقارب خلال فصل الصيف إلى عدة عوامل، يأتي في مقدمتها الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، الذي يدفع هذه الكائنات إلى التحرك بصورة أكبر، إضافة إلى زيادة الأنشطة الزراعية والرعوية خلال هذه الفترة، وهو ما يرفع احتمالات التقاء الإنسان بهذه الزواحف في البيئات الطبيعية.

كما تمثل المناطق الجبلية والأودية والمناطق الصخرية والأراضي الزراعية بيئة مناسبة لانتشار الأفاعي والعقارب، حيث تجد فيها أماكن آمنة للاختباء والتكاثر، بينما يؤدي التوسع العمراني في بعض المناطق إلى تقليص المسافات الفاصلة بين التجمعات السكنية والبيئات الطبيعية، ما يزيد من احتمالات ظهور الزواحف السامة بالقرب من المنازل.

أرقام تكشف حجم المشكلة

تكشف بيانات المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية حجم التحدي الذي تواجهه البلاد في هذا الملف، إذ تم تسجيل 20 ألفًا و583 حالة لدغات عقارب، إلى جانب 405 حالات لدغات أفاعٍ خلال عام 2025، وهو ما يعكس استمرار هذه الظاهرة رغم الإجراءات الوقائية التي تنفذها الجهات الصحية.

ورغم أن أعداد لدغات الأفاعي أقل بكثير من لدغات العقارب، فإنها تبقى الأكثر خطورة من الناحية الطبية، إذ بلغت نسبة الوفيات الناتجة عنها نحو 4.4%، مقارنة بنسبة 0.13% فقط في حالات لدغات العقارب، بسبب طبيعة السموم التي تفرزها بعض أنواع الأفاعي وتأثيرها السريع على أجهزة الجسم المختلفة.

الأطفال الأكثر عرضة للخطر

تشير الإحصاءات إلى أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة الناتجة عن لدغات الأفاعي والعقارب، وذلك بسبب انخفاض الوزن وصغر حجم الجسم مقارنة بالبالغين، وهو ما يجعل تأثير السموم أكثر حدة، خاصة إذا تأخر وصول المصاب إلى المستشفى أو لم يحصل على العلاج المناسب في الوقت المناسب.

كما ترتفع نسب الخطورة في المناطق الجبلية وشبه الصحراوية التي تنتشر فيها الصخور والأودية والأعشاب الكثيفة، حيث توفر هذه البيئات ظروفًا مثالية لاختباء الزواحف السامة، بينما تزيد أعمال الزراعة والرعي وجمع الحطب والسير ليلًا من احتمالات التعرض للدغات.

استراتيجية وطنية لمواجهة اللدغات

وفي إطار مواجهة هذه المخاطر، اعتمدت السلطات المغربية خلال السنوات الأخيرة استراتيجية وطنية للحد من حالات التسمم الناتجة عن لدغات الأفاعي والعقارب، تضمنت تجهيز المستشفيات بالمستلزمات الطبية والأدوية اللازمة، وتوفير الأمصال المضادة للدغات الأفاعي، إلى جانب تدريب الفرق الطبية على سرعة التعامل مع الحالات الطارئة.

وساهمت هذه الإجراءات في تحسين نسب الاستجابة للحالات وتقليل معدلات الوفيات مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن الجهات الصحية تؤكد أن الوقاية تبقى العنصر الأهم، خاصة في المناطق التي تشهد تكرارًا لهذه الحوادث خلال فصل الصيف.

حملات توعية مستمرة

وتواصل الجهات الصحية تنفيذ حملات توعوية تستهدف سكان القرى والمناطق الجبلية، من خلال نشر الإرشادات الوقائية التي تساعد على تقليل فرص التعرض للدغات، مع التركيز على أهمية ارتداء الأحذية والملابس الواقية أثناء العمل في الحقول، وتجنب السير حفاة، وعدم إدخال اليدين داخل الجحور أو بين الصخور، وفحص الأحذية والملابس قبل ارتدائها.

كما تدعو حملات التوعية إلى توخي الحذر أثناء جمع الحطب أو التنقل ليلًا، وهي فترات يزداد خلالها نشاط الأفاعي والعقارب، إضافة إلى ضرورة تنظيف محيط المنازل من الأعشاب والمخلفات التي قد تتحول إلى أماكن مناسبة لاختباء الزواحف.

ويشدد الأطباء على ضرورة تجنب عدد من الممارسات الشعبية الخاطئة التي لا تزال تُستخدم في بعض المناطق عند التعرض للدغات، مثل ربط الطرف المصاب، أو شق موضع اللدغة، أو محاولة امتصاص السم، مؤكدين أن هذه الأساليب قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة وتؤخر تلقي العلاج الصحيح.

ويؤكد المختصون أن التصرف السليم يتمثل في نقل المصاب سريعًا إلى أقرب مركز صحي أو مستشفى، مع الحفاظ على هدوئه وتقليل حركة الجزء المصاب قدر الإمكان، حتى يتمكن الفريق الطبي من تقديم العلاج المناسب في أسرع وقت.

وتؤكد الحوادث الأخيرة أن التوعية المجتمعية، إلى جانب تعزيز جاهزية المنظومة الصحية، يمثلان الركيزة الأساسية للحد من مخاطر لدغات الأفاعي والعقارب، خاصة مع استمرار موجات الحر التي تؤدي إلى زيادة نشاط الزواحف السامة خلال أشهر الصيف.

ويرى متخصصون أن نشر ثقافة الوقاية بين المواطنين، وتطوير الخدمات الصحية في المناطق القروية والجبلية، والاستمرار في توفير الأمصال والأدوية اللازمة، كلها عوامل من شأنها تقليل الخسائر البشرية، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها الأطفال وسكان المناطق النائية.

تم نسخ الرابط