إن من يتعود على أن يرتكب الجرائم ثم تمر بدون عقاب ولا مساءلة، فإنه من السهل على المجرم أن يعود إلى ارتكاب جرائم أشد وأبشع، ولا يمنعه هذا من المجاهرة بما يرتكبه من جرائم، بل عما سيفعله قبل أن يقع ولا يبالي بردة فعل الضحايا الذين ينوي أن يرتكب معهم جرائمه، لأنه لا يراهم شيئا أمام قوته وجبروته وطغيانه، وهذا ماينطبق على (أمريكا) الدولة الأولى في العالم، فمنذ أن ارتكبت الجريمة العظمي التي لم يقع مثلها في التاريخ الإنساني حينما ضربت ( هيروشيما) و(ناجازاكي) بالقنبلة الذرية، عام ١٩٤٥م، بسبب رفض(سوزوكي) رئيس وزراء اليابان في ذلك الوقت تنفيذ إعلان مؤتمر (بوتسدام) وتجاهل المهلة المحددة للتنفيذ وكان نصُّه: أن تستسلم اليابان استسلاماً كاملاً بدون أي شروط، مما جعل (هاري ترومان) الرئيس الأمريكي يصدر أوامره بضرب هاتين المدينتين بقنبلتين ذريتين أدت إلى القتل الفوري لتسعين ألفا في (هيروشيما)، وثمانين ألفا في (ناجازاكي)، بالإضافة إلى عشرين أسيرا من أم*ريكا وبريطانيا وهولندا، كانوا محتجزين في مكان إلقاء القنبلة ضحت بهم أمريكا في مقابل تنفيذ إرادتها، وهذا نفس ما يفعله الآن نتنياهو، الذي يضحي بأسراه بدعم من أمريكا التي فعلتها قبله في مقابل الحفاظ على وضعه السياسي، وقد اضطرت اليابان بعد وقوع هذه الجريمة البشعة أن تعلن استسلامها لقوات الحلفاء. حيث وقعت وثيقة الاستسلام وإنهاء الحرب في المحيط الهادي رسمياً، وهكذا مرت جريمة قتل مائة وسبعين ألفا دون أي محاسبة من أي جهة، ومنذ أن ارتكبت أمريكا هذه الجريمة ولم تحاسب عليها فإنها صارت عبر تاريخها ترتكب كثيرا من الجرائم ولا تبالي.
ومنها ما ارتكبته في أفغانستان، والعراق، واليوم يجلس على كرسي قيادة العالم رئيس مستكبر مغرور، يرى أنه فوق الجميع، وأن أي بقعة في العالم ينظر إليها بعين السمسار فإذا رآها ذات قيمة جغرافية، أو اقتصادية فإنه يبيح لنفسه أن يسيطر عليها، ويأخذها عنوة من أصحابها، ويضمها إلى دولته دون مراعاة للقوانين والأعراف الدولية التي يجب أن تحكم العالم، وقد أثار قبل وبعد توليه الحكم كثيرا من الأعاصير بسبب تصريحاته عن شراء جرينلاند، أو الاستيلاء عليهابالقوة، وضم كندا، واستعادة قناة بنما بالقوة- إن لزم الأمر- وإعادة تسمية خليج المكسيك بخليج أميركا، وفرض الرسوم والتعريفات الجمركية والعقوبات في كل الاتجاهات.
ولم يكن مقترح (ترامب) لـ"تطهير غزة" من الفلسطينيين والاستيلاء عليها وتحويلها إلى ( ريفيرا) خارجا عن تلك الأعاصير التي أثارها، وقد وصل به التهديد لأهل غزة أنه حدد موعدا للمقاومة للإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين، في الساعة الثانية عشرة ظهر يوم السبت القادم وإلا سيفتح عليهم نار الجحيم ضاربا عرض الحائط بالاتفاق الموقع بين المقاومة وإسرائيل والذي شاركت أمريكا نفسها في إبرامه، ولعل هذا يذكرنا بعقلية الرئيس (هاري ترومان) الذي استخدم لأول مرة القنبلة الذرية في اليابان، حيث أنذر اليابان وحدد لها موعدا للاستسلام، فلما لم تنفذ ارتكب تلك الجريمة البشعة، فهل يمكن أن يفعلها ترامب؟؟؟
ومن الأعاصير التي أثارها إعلانه صراحة وبتبجح أن على مصر والأردن أن يستقبلا ويوطنا أهل غزة المهجرين قسرا إليهما، فإذا أعلنت الدولتان رفضهما لفكرته فإنه يهدد بقطع المعونات عنهما، غير عابئ بالدور المحوري لمصر في منطقتها، وأن ما يهدد به سوف يضر أمريكا قبل أن يضر مصر.
ولا أستبعد على عقلية كهذه أن نفاجأ برغبتها في الاستيلاء على آبار البترول في دول الخليج، أو على قناة السويس، أو موانئ الإمارات إما بالشراء، وإما بالقوة؛ لأنه يراها مشاريع اقتصادية ضخمة ستعود على أمريكا بتريليونات الدولارات، غير مكترث بأن هذه المشاريع ملك لشعوب ودول المنطقة، ولكن أمام حفيد ( الكايبوي) هؤلاء الرعاة الهمج الذين أقاموا لهم دولة على أنقاض الهنود الحمر أصبحت مع الوقت هي الدولة الأولى التي تحكم العالم لا نستبعد أن يقع مثل هذا وأكثر منه.