إن من أجمل الشيم، وأطيب الصفات أن يتحلى الإنسان بالكرم، فهذا يُطيِّب الذكر، ويعطر السيرة.
ولقد كان العرب في الجاهلية يتحلون بهذه الصفة الطيبة، ويتسابقون في إكرام الضيفان، حتى وإن لم يكن في أيديهم إلا القليل. فهذا حاتم الطائي تطايرت أخبار كرمه حتى وصلت إلى قيصر الروم فاستغربها، ثم ما لبث أن سمع أن لحاتم فرسًا أصيلة، من أجود خيول العرب وأعزها عنده، فأرسل إليه رسولًا يطلب الفرس. فاستقبله حاتم، ورحّب به وأكرم وفادته عليه وهو لا يعلم من هو، ولما كانت أغنامه ومواشيه ترعى في المراعي، ولم يتمكن من الحصول على شيء منها ليُقري به ضيفه، نحر فرسه تلك وأكرمه بها. فلمّا حدّثه وعرف أنه رسول القيصر جاء لأجل هذه الفرس، قال له حاتم: "ليتك أعلمتني قبل الآن، فهي التي نحرتها لك". فاندهش الرسول قائلًا: "والله لقد رأينا منك أكثر مما سمعنا عنك"، فصار حاتم بهذا الصنيع وغيره مضرب أمثال العرب في الكرم.
ولما جاء الإسلام حبَّب هذه الصفة إلى الناس وزيَّنها في قلوبهم، ولم يختزلها في المال وحده، بل وسّعها لتشمل كل جميل الخصال، وطيب الأفعال.
ومن أكثر من حثّ الإسلام على إكرامها الزوجة، وجعل الإحسان إليها معيارًا أصيلًا، ومؤشرًا قويًا للحكم على أفضلية الرجل وخيريته. فلقد قال نبينا الأكرم ﷺ: «أكملُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهمْ خُلُقًا، وخِيارُكُمْ خِيارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ»، ولنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة.
فهذه السيدة صفية بنت حيي تحكي: "أن النبي ﷺ حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فَسَاق بهن فأسرع، فقال النبي: «كذلك سوقك بالقوارير!» -يعني النساء-. فبينما هم يسيرون، برك جمل صفية بنت حيي، وكانت من أحسنهن ظهرًا، فبكت. فجاء رسول الله ﷺ حين أُخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاءً وهو ينهاها". ياله من موقف رائع من نبي الرحمة!
إن إكرام المرء لزوجه، بإحسان المعاملة، وجبر الخاطر، وإدخال السرور عليها، والصبر على ما قد يصدر منها أحيانًا من أشياء قد لا تروق له بسبب غيرتها الشديدة، وغضّ الطرف عن أخطائها، لهو عين المروءة.
إنك أيها الزوج، إذا كنت متحليًا بما أُسلف من صفات، فإنك ستجد من زوجك ما يسرك، وتطيب به نفسك، مما يجعل القتاد حريرًا، والملح الأُجاج عذبًا سلسبيلًا. وستبادلك إحسانًا بإحسان، وتربية مستقيمة لأبنائك؛ مما ينشئ جيلًا صالحًا، مؤسسًا بنيانه من أول لحظة على تقوى من الله ورضوان. واجعل ذلك كله امتثالًا لقول سيدنا ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
إن كان الإنسان يريد الخير لنفسه ولأولاده، فعليه أن يُكرم أمهم، وأن يُحسن إليها؛ لأن ذلك سينعكس انعكاسًا إيجابيًا عليهم، وعلى أدوارهم في المجتمع الذي سينهض بسواعدهم.
وإننا في هذا العصر ليصيبنا من الدهشة والاستغراب ما يجعلنا نقلب إحدى كفَّينا على الأخرى من ذلك الرجل الذي يُظهر في فترة خطوبته ما يدَّعيه من محاسن الصفات، ومعسول الكلمات، ويُغدق الهدايا والعطايا، ثم ما يلبث بعد عرسه أن يبدّل حاله، فيطمع فيما في يد زوجته، ويجبرها على أن يسترد منها ما دفع إليها من مهر وذهب، وإلا فإن بيت أبيها سيكون مصيرها. فبعد أن خرجت منه مسرورة مستبشرة بحياة سعيدة تملؤها الرحمة والسكينة، إذ بها تعود إليه مكلومة، مثقلة بالآلام، مملوءة بالاكتئاب والأسقام، وقد كانت قبل أن تخرج من هذا البيت زهرة مفتحة، تبث الأمل والسرور في حياة أبويها وإخوتها. فهل هذا يرضي الله ورسوله؟!
وإن تعجب، فعجب فعل أنصاف الرجال، ممن يُخيِّر زوجته بينه وبين أهلها!
وأنا أسأله سؤالًا: أليس أهلها هم من أعدُّوها لك زوجة صالحة، تحمل اسمك وتربي أبناءك؟ أليسوا هم من أكرموك بهذه الهدية التي لطالما حلمت أن تظفر بها؟!
اعلم أن عاقبة سوء معاملة الزوجة وبالٌ وخسران، وهب أنك ذات يوم ابتُليت بزوج لابنتك على نفس شاكلتك، لا يحترمها، ولا يقدرها، ويسومها سوء الإهانة كما كنت أنت تفعل... ساعتئذٍ ستتجرع شيئًا من مرارة ما سقيت به زوجتك، وسيكون لسان حالك وقتها: يا ليت...! لكن هيهات، ثم هيهات!
ولله در أبي تمام:
البَينُ جَرَّعَني نَقيعَ الحَنظَلِ
وَالبَينُ أَثكَلَني وَإِن لَم أُثكَلِ
ما حَسرَتي أَن كِدتُ أَقضي إِنَّما
حَسَراتُ نَفسي أَنَّني لَم أَفعَلِ
حريٌّ بنا أن نتقي الله في النساء، وأن نكون قدوة لأبنائنا، وصدق الله العظيم:
﴿ وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةً ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلًا سَدِيدًا ﴾.
- محمد إبراهيم
- إكرام الزوجة في الإسلام
- حسن معاملة الزوجة
- الكرم في الجاهلية
- حاتم الطائي والكرم
- النبي وإكرام النساء
- حق الزوجة على الزوج
- معاملة الرسول لزوجاته
- أهمية حسن العشرة
- سوء معاملة الزوجة
- أثر الكرم على الأسرة
- استوصوا بالنساء خير ا
- الزوجة في المجتمع
- احترام الزوجة وأهلها
- أثر المعاملة الحسنة
- بناء أسرة مستقرة