فرق كبير بين من يكتب بكرسيه ومن يكتب بقلمه، فالأول يتدثر بأثواب مستعارة، ربما لا تناسبه، وأحيانا يظهر بها ويكون كالأضحوكة بين الناس، لأنه ولابس ثوب الزور سواء، ولا يلتفت المفكرون غالبا إلى من يكتب بوصفه الطارىء، أما من يكتب بقلمه فيتقبل الجميع قوله بقبول حسن، وللأستاذ الكبير الفاقه العالم، شيخ شيوخ عصره، وأديب علمائه، الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي عليه سحائب الرحمات تعليق على النوعين السابقين، حيث قال مرة والكلام نقلا عمن أثق به، حينما سئل عن كتابات بعض من كساهم الكرسي حلة قشيبة، إلا أن كتاباتهم أقل بكثير من الرمزية التي تحيط بهم : هؤلاء يكتبون بكراسيهم ونحن نكتب بأقلامنا.
وحينما كان يترأس رحمه الله تحرير مجلة الأزهر، كنت أيامها في مرحلة مبكرة جدا من حياتي التعليمية، وأذكر أنني وخاصة زملائي كنا نترقب صدورها على لهفة، لنقرأ افتتاحيته التي تحمل فكرا ورؤى يقف العقل والقلب معا أمامها إجلالا لما كتب، وليست هذه حالة فردية عندي فقط، بل كانت حالة عامة، حتى إننا والله كنا نتسابق إلى شراء المجلة التي لا تمكث عند باعة الصحف والمجلات سويعات، لكثرة الإقبال عليها آنذاك، تلك أيام لا تنسى بذكرياتها الجميلة، سقى الله تلك الأيام، ولو تشرع مجلة الأزهر الشريف في طباعة افتتاحيات الدكتور البيومي والدكتور الخطيب والدكتور عمارة رحمهم الله تعالى لأهدت إلى القراء كنزا ثمينا، ولهم أجرهم من رب العالمين.
التاريخ لا يجامل، والحق لا يختلف عليه عاقل، ولا عبرة باختلال الموازين.
فهل ينكر هذا عاقل؟