من سجلات القضية رقم 604 لسنة 1948 جنايات حلوان
واعترافات بعض قادة الجماعة في مؤلفاتهم لاحقا:
قاضٍ مصري جليل عالي القَدْر، رَفيع الذِّكر، حميد الأثر، أردته أيدٍ إرهابية خائنة لا لسبب إلا ضِيقًا بقضائه وضجَرًا من قيامه بواجبه.
رجلٌ هذا شأنه تُراق دماؤه الزكية، وتُزهَق روحه الطاهرة النقية بأيدي زُمرة من أشرار الإخوان، عُصبة من الفُجَّار تنتمي لهذا الوطن الكريم والوطن منهم بَراء، وتعتزي إلى الدين القيِّم وهم له من أكبر الأعداء، فالوطن يأبَى أن يكون بنوه حربًا على رجل من أعَز بَنيه عليه وأبرُّهم به.
كانت هذه الجريمة بداية لإرهاب مُروِّع كان يحمل في تَضاعيفه مَقتل النقراشي باشا، وأن جماعة الإخوان لتَبوء بوزر الجريمتين كلتيهما.
مَن هو أحمد الخازندار:
أحمد الخازندار، قاضي مصري، تَخرجَّ في مدرسة الحقوق عام 1912 وعُيِّن مُعاونًا للنيابة العامة في عام تخرُّجه، ثم تدرَّج في الوظائف القضائية إلى وكيل نيابة، فرئيس نيابة استئناف مصر، حتى صار وكيلاً لمحكمة استئناف القاهرة في عام 1947.
والذي تجهله كتب التاريخ - وسيرته القضائية - أن مسقط رأسه قرية (العُتقا) مركز إيتاي البارود محافظة البحيرة. وأولاده السفير حسين سفير مصر في سيراليون سابقا الذي شارك في محادثات كامب ديفيد مع الرئيس السادات، والمستشار محمود رئيس محكمة جنايات القاهرة سايقا، ومحمد - رحمه الله - مدير الإدارة الأفريقية بوزارة الخارجية سابقا.
سُجِّل اسمه في تاريخ الاغتيالات السياسية في مصر، وكان عمره وقت اغتياله ثمانية وخمسين عامًا، وكانت جريمة اغتياله من أبشَع الجرائم التي أدانها الرأي العام المصري في الأربعينيات.
مَن القاتل:
القاتلان هما محمود سعيد زينهم، وحسن محمد عبد الحافظ، وخطَّطَ للحادث عبد الرحمن السِّندي رئيس التنظيم الخاص للإخوان المسلمين في ذلك الوقت.
من هو عبد الرحمن السندي:
عبد الرحمن السندي من أكثر الشخصيات غموضًا في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، وهو الرجل الذي ارتبط اسمه بالنظام الخاص للإخوان، أول مُنظمات العنف في حركة الإسلام السياسي المعاصرة.
وُلد في عام 1917 بقرية "بني سند" بأسيوط، وكان والده شيخًا للبلدة ومزارعًا ميسورًا يملك 25 فدانًا ووابورًا للمياه وحديقة للفواكه وخمسة أبناء، وفي عام 1938 حصل على البكالوريا فشدَّ الرحال إلى القاهرة والتحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وتشاء المصادفة أن يَسكن إلى جوار طالب بكلية الزراعة هو محمود عبد الحليم المسئول آنذاك عن قسم الطلبة بالإخوان المسلمين والذي انتهت إليه المسئولية بعد قليل عن النظام الخاص.
في عام 1941 نُقل محمود عبد الحليم إلى عمل خارج القاهرة، ولم يكن قد مَرَّ على النظام عام واحد، فرشَّح السندي لكي يَحل مَحله في قيادة النظام وترك السندي دراسته الجامعية والتحق بوظيفة في وزارة الزراعة لكي يتفرغ لمسئوليته الجديدة.
وكان النظام الخاص يَضُم عدة مئات من المقاتلين الأشدَّاء، من الطلاب والحرفيين والمهنيين على السَّمع والطاعة، ويَتلقون تعليماتهم منه مباشرة ويَفترضون أنه لا يَصدر لهم أمرًا بالقيام بأية عملية ضد أي هدَف إلا بعد أن يُستأذن المرشد العام حسن البنا.
بدأ النظام الخاص عملياته في 4 ديسمبر 1946، 1947 وتركزت هجماته ضد الاحتلال البريطاني لمصر والغزو الصهيوني لفلسطين، وشملت عمليات قتل جنود الاحتلال في القاهرة وفي بعض مدن القناة، ونسف المؤسسات التجارية التي يمتلكها اليهود في مصر.
وفي مارس 1948 أصدر السندي أمره لمجموعة من النظام الخاص باغتيال المستشار أحمد الخازندار رئيس محكمة استئناف القاهرة، لأنه حَكم على اثنين من أعضائه اتُّهما بإلقاء قنابل على جنود الاحتلال بحبس أحدهما ثلاث سنوات وبسَجن الآخر خمس سنوات( ).
إرهاصات اغتيال القاضي الخازندار:
كان الخازندار يرأس محكمة جنايات الإسكندرية قبل نقله رئيسًا لمحكمة جنايات القاهرة، وعُرضت عليه القضية رقم 3155 لسنة 1946 جنايات العطارين، المتهم فيها مجموعة من شباب الإخوان المسلمين بتهمة الشروع في قتل سائق إنجليزي بالبحرية البريطانية وضابط بريطاني، بأن ألقوا قنابل عليهما قاصدين قتلهما مع سبق الإصرار والترصد، وأشهرا في وجهيهما مسدسات فأحدثوا بهما إصابات، كما شرعوا في قتل من يوجد من الجنود الإنجليز في النادي البريطاني، وعاقبهم الخازندار بالسَّجن مدة خمس سنين، وبعضهم بالسَّجن أربع سنين في 10 يونية 1946.
أثار هذا الحكم استياء حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين وراحوا يُنددون به ضد الخازندار، نظرًا لقسوته من وجهة نظرهم، في حين قالوا إنه عاقَب سفاح الإسكندرية حَسن قناوي الذي راح ضحيته سبعة قتلى بدوافع جنسية بالأشغال الشاقة سبع سنوات.
بعد عِلم حسن البنا بهذا الحكم، قال في مجلس عام: إنَّ الخازندار "يستاهل القتل" وقد اعتبر عبد الرحمن السندي رئيس النظام الخاص للإخوان (التنظيم العسكري السري المسئول عن الاغتيالات) أنَّ هذه العبارة تُعتبر إذنًا ضمنيًا بقتل الخازندار.
وحينما نُقل الخازندار رئيسًا لمحكمة جنايات القاهرة عُرضت عليه الجنايتين رقم 767 لسنة 1947 عابدين، 1403 لسنة 1947 الوايلي المتهم فيهما مجموعة من شباب الإخوان المسلمين لأنهم في يوم 25 ديسمبر 1946 ألقوا قنابل حارقة ومُتفجرة في مدينة القاهرة على بعض الأماكن منها نادي الاتحاد المصري الإنجليزي، وبان بانكوك، ومطعم كاليفورنيا، وبار أثينا وجميعها من الأماكن التي يَغشاها البريطانيون، مما ترتب عليه تفتيش المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين وشُعَبها في مدينة القاهرة، وعاقبهم الخازندار بجلسة 15 يناير 1948 بحبس بعضهم ثلاث سنين وغرامة مائة جنيه، وبعضهم بالسَّجن خمس سنوات، وكذلك قضى ببراءة بعضهم.
أسباب الإغتيال وعلم الجماعة به:
يقول أحمد عادل كمال أحد أعضاء النظام الخاص للإخوان المسلمين في كتابه "النقط فوق الحروف":
"كان بعض شبابنا قد امتلأ بأنَّ القاضي أحمد الخازندار كان يرى شرعية الوجود الإنجليزي في مصر بموجب معاهدة 1936 وتطوَّع بعضنا لتخليص الحركات التحررية منه، فإن أمامنا مُنطلقًا كبيرًا وجهادًا مَريرًا طويلاً، فإذا سمَحنا لهذا السَّيف أن يَظل قائمًا يَقتطع من أطرافنا وأعضائنا، فأي خسارة سوف تُصيبنا، وأي تضحيات من ذواتنا سوف نقدمها على مَذبح الحرية بدون مُبرر، تلك كانت النظرة عند شباب يريد تحرير وطنه"( ).
ويقول محمود الصباغ في كتابه حقيقة التنظيم الخاص للإخوان: "لقد استحلَّ هؤلاء الإخوان الثلاثة لأنفسهم، عبد الرحمن السندي، ومحمود سعيد زينهم، وحسن عبد الحافظ، القيام بهذا العمل لدوافع وطنية اقتضتها ظروف هذا الحادث، فالظروف الملابسة لهذا الحادث كانت تثير الشعور الوطني ضد هذا القاضي من المصريين كافة، وهو ما يُبرر أن يفكر بعض المتطرفين في اغتياله إرضاء لهذا الشعور، حتى أن جميع أفراد شعب مصر وبدون أي مبالغة تمنوا أن يُخلِّص القضاء المصري سُمعة مصر وشرفها وحياءها من هذا الوحش الكاسر"( ).
ويقول أحمد مُرتَضي المراغي آخر وزير للداخلية (قبل الثورة) في عهد الملك فاروق عن أسباب اغتيال القاضي الخازندار:( )
"انعقدت محكمة الجنايات برئاسة الخازندار، وكان قاضيًا يتميز بالعلم الغزير وبنزاهة لا يَرقى إليها الشك لمحاكمة جماعة من الإخوان المسلمين اتُّهموا بحيازة متفجرات وأسلحة، وكانت القضية قد عُرضت على دائرة أخرى تلقَّت تهديدات عديدة بالقتل إذا حكَمت على المتهمين، وأخذت القضية تُؤجَّل حتى انتهت إلى الدائرة التي يرأسها الخازندار، وطلب محامو المتهمين التأجيل ولكن الخازندار رفض التأجيل وأصرَّ على النَّظر في القضية رغم تهديده بالقتل، سواء برسائل أو مكالمات هاتفية لصلابته المعهودة وحكَم في القضية، وهنا صدر عليه هو حكم الإعدام من محكمة الإخوان".
تنفيذ الاغتيال وضبط الجناة:
بعد مُراقبة القاضي الخازندار عدَّة أيام، عَلِم الجناة أنه يذهب إلى المحكمة في باب الخلق بالقاهرة، ويعود إلى حلوان بالمواصلات العامة وسيرًا على الأقدام إلى محطة السكة الحديد، ثم قطار حلوان إلى باب اللوق ثم المواصلات المعتادة.
وضَع السندي خُطته بأن يتم انتظار الخازندار أثناء خروجه من بيته في حلوان، فيغتاله حسن عبد الحافظ بمسدس، بينما يتواجد محمود سعيد زينهم على مسرح الجريمة مُحرزا قنابل صوت، ثم ينسحبان معًا بعد القتل وإذا تبعهما الجمهور أطلقا عليه الرصاص وألقوا بالقنابل.
باتَ حسن عبد الحافظ، ومحمود سعيد ليلة الحادث في منزل عبد الرحمن السّندي، وفي صباح يوم الإثنين الموافق 22/3/1948 وقبل الموعد المعتاد لخروج القاضي الخازندار من بيته، كان القاتلان يترصدانه قُرب بيته.
خرج الخازندار من بيته في الصباح المبكر من يوم 22 مارس 1948 من منزله الكائن بشارع رياض بضاحية حلوان حوالي الساعة السابعة والثلث صباحًا قاصدًا محطة حلوان ليستقل القطار منها إلى العاصمة ليرأس دائرة محكمة الجنايات، وما أن سار بضع خطوات من منزله وهو هادئ النفس مطمئن البال، حتى فاجأه المتهمان محمود سعيد زينهم، وحسن محمد عبد الحافظ (السكرتير الخاص لحسن البنا) بإطلاق النار عليه من مسدسين أعدَّاهما لهذا الغرض قاصدين من ذلك قتله؛ فسقط على الأرض مُضرجًا في دمائه، واستمرا يُطلقان النار عليه حتى أَفرغا جميع الطلقات المحشوَّة في المسدسين وهي أربع عشرة رصاصة، أصابه منها سِت مزَّقت القلب والكبد، ولم ينقطعا عن إطلاق النار حتى بعد سقوطه على الأرض وهو يلفظ أنفاسه الطاهرة الأخيرة، وكان بعض الشهود الذين بدأوا يفتحون حوانيتهم ليتهيأوا لعملهم قد سَمعوا تلك الطلقات وهي تُدوِّي في مكان القتل فالتفتوا إلى جهة مصدرها، فإذا هم يَرون المتهَمين وهما يُسدِّدان مسدسيهما على القتيل ويَبصرونه وهو يَخر على الأرض صريعًا، بينما المتهمان مُستمران في إطلاق النار عليه، ففزعوا مُستغيثين من هول الحادث.
وما أن أتم المتهمان جنايتهما المُنكرة، حتى بدآ يتركان مكان الحادث في تَؤُدة المجرم المُستخِف بجُرمه يلوذان بالفَرار، فهبَّ الجمهور سواء مَن شاهَد الجناية، أو مَن سَمع صوت الطلقات النارية، أو مَن ترامَى إليه خبر الحادث للقبض على هذين المجرمين من وقت أن سارا من مكان القتل يتبعونهما بالصياح من شارع إلى شارع، حتى إذا ضُيِّق الخناق عليهما وأدركا أنهما لابد مَقبوض عليهما وهما يحملان آثار الجريمة، ألقى المتهم الأول محمود سعيد زينهم قنبلة على المطاردِين في شارع إبراهيم باشا؛ ليَستعينا بذلك على الفرار ولكنها لم تُصب أحداً، كما تمكن المتهم المذكور إذ ذاك، من أن يتخلص من المسدس الذي كان يحمله، فألقاه في فناء منزل عثمان أفندي بدر الكائن في ذلك الشارع، كما ألقى بجراب المسدس في فناء منزل مجاور يملكه مصطفى كامل عبد الجواد أفندي.
ظل المتهمان يواصلان هروبهما من شارع إلى شارع والجمهور يُطاردهما بالصِّياح، إلى أن وصلا إلى سور المستشفى المخصص للأمراض المستعصية، والمعروف بين سكان حلوان "بالمستعصية" فقفزا ذلك السور من ثغرة مُتهدمة فيه، وهناك خلع كل منهما مِعطفه وألقى به على الأرض حتى لا يَعوق فرارهما، وألقى المتهم الأول قنبلة على المطاردين انفَجرت وهو في داخل فناء المستشفى فلم تُصِب أحدًا أيضا، واستمر وزميله يجريان وتخطيا سور المستشفى إلى الجبل ينطلقان في جريهما والجمهور ما زال يتابعهما ويطاردهما.
كان سعيد السيد محمد عبد النبي الشاهد الأول قد شاهد الحادث عن قُرب، ورأى المتهمَّين رأيَ العين وهما يُطلقان النار على القتيل؛ فانطلق إلى القسم على دراجته بأقصى سرعة فقطع المسافة إليه في دقيقتين وأبلغ الخبَر إلى الضابط المنوب وهو الكونستبال فتحي عبد الحليم السيد علام أفندي، وذلك بعد أن كلَّف الشاهد اثنَين ممن هُرعوا لمكان الجريمة وقد شاهدا ارتكابها عن بُعد أن يتعقَّبا المتهمين إلى أن يعود هو من القسم، فخفَّ الكونستابل من فوره في سيارة القسم والمبلِّغ معه، ترافقه قوة من رجاله قصدَت بهم إلى مكان الحادث ثم اتخذوا طريق هروب المتهمين إلى أن خرجت بهم السيارة إلى منطقة الصحراء، وهناك لمحوا المتهمَين يجريان؛ فرتَّب الضابط طريقة ضبطهما، ووزَّع رجاله حتى سَدُّوا عليهما المسالك وتبُودَلت الأعيرة النارية أثناء ذلك بين أفراد القوة وبين أحد المتهمين الذين كان لا يزال محتفظًا بمسدسه وهو المتهم الثاني، كما ألقى المتهم الأول قنبلة أخرى وهي الثالثة نحو رجال القوة ولكنها لم تنفجر لسقوطها بين الرمال.
ثم تمكن الكونستابل ورجاله من ضبط المتهميَن، وبتفتيشهما عُثر في جيب بنطلون المتهم الثاني حسن عبد الحافظ على مِشط لمسدس ينطبق على المسدسين المضبوطين وبه سبع رصاصات غير مطلوقة من نوع وشكل الرصاصات التي أطلقت من المسدسين على المجني عليه في مكان القتل، واستطاع المتهم الثاني في أثناء ذلك أن يُلقي بمسدسه في الصحراء غير أنه عُثر عليه عند البحث عنه على مَقربة من مكان ضبطه.
عاد الكونستابل ومعه المتهمان في سيارة القسم، وفي طريق العودة أرشده بعض الشهود عن المنزل الذي ألقى المتهم الأول المسدس في فنائه فذهب إليه والتقطه، كما قُدِّم إليه جِرابه الذي عُثر عليه في المنزل المجاور، وعند وصوله إلى القسم أبلغ عن الحادث الجهات المختصة.
تولَّى النائب العام محمود منصور بك التحقيق، واستدعى حسن البنا ليَسأله عن صلة المتهمين بالجماعة فأنكر تلك الصلة، ولكن لمَّا واجهه النائب العام بأن حسن عبد الحافظ هو سكرتيره الخاص، اعترف بصلتهما بالجماعة وأنكر علمه بالجريمة.
لا مبالاة للمتهمين أثناء التحقيق:
يقول أحمد مُرتضَى المراغي( ): أسرعتُ بحكم وظيفتي إلى القسم لحضور استجوابهما، رأيتهما هادئَين باسمَين، كان أحدهما ضخم الجثة طويلاً وكان الآخر قصيرًا نحيفًا، وبدأ وكيل النيابة التحقيق وسأل أولهما عن اسمه فأجاب: ولماذا تريد مَعرفة اسمي؟ وسأل الثاني فأجاب: اسأل زميلي يَقل لكَ اسمي وضحك، فنهرهما وكيل النيابة وأعاد السؤال فذكر كل منهما اسمه، فسألهما هل أطلقا الرصاص على المستشار الخازندار؟ فردَّا بكل برود: ومَن هو الخازندار؟ ثم امتنعا عن الرد على أي سؤال، فتوقف وكيل النيابة عن التحقيق، ولكن أحد رجال البوليس حاول التكلم معهما فضحكا، ولم يَردَّا عليه فسَكت، وبعد ذلك مال الصغير النحيف على أذن الضخم وأسرَّ إليه شيئًا استغرق بعده في ضَحك مكتوم حتى دمَعت عيناه، فقلتُ له: هل أستطيع أن أعرف ما الذي أضحكك؟ فردَّ مُبتسمًا: أصل صاحبي خفيف الدم، وقال نُكتة حلوة.
ويضيف: تملَّكني غضب وحًنق لا حدَّ لهما، قاتلان يَقتلان مُستشارًا على درجة ممتازة من العلم والخُلق، ويُرمِّلان زوجة، ويُيتِّمان طفلَين، ولا يأبهان بشيء، ولا يحسَّان بفداحة الجُرم الذي ارتكباه، ثم يتماديان في الاستهتار بالمحقق ورجال الأمن، ويتبادلان النِّكات بدلاً من الرد على أسئلة وكيل النيابة".
وثَبُت من حكم المحكمة في قضية مَقتل القاضي الخازندار "الصحيفة 335" "أنَّ المتهمَين من جماعة الإخوان المسلمين، فالأول ضُبطت في غرفته أوراق تدل على أنه مُنتم إليها، وشهدت والدته في التحقيق بأنه مُنتم إلى هذه الجماعة، وأنَّ أخاه وأباه عضوان فيها، وأما الثاني فهو عضو عامل فيها".
استناد القَتَلة إلى فتوى حسن البنا:
في يوم الحادث دَعَا البنا إلى اجتماع عاجل بمنزل عبد الرحمن السّندي رئيس النظام الخاص للإخوان، وسأل السّندي لماذا قتَل القاضي الخازندار قبل العَرض على مجلس إدارة النظام؟ فأجابه السّندي بأنه استطلع رأيه في حاكم ظالم يَحكم بغير ما أنزَل الله، ويُوقِع الأذى بالمسلمين، ويُمالئ الكفار والمشركين والمجرمين، وأنه أجابه بالآية الكريمة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ) وأنه اعتبر هذه الإجابة إذنًا بقتل الخازندار( ).
ولمَّا واجهَت الجماعة السِّندي بما جرَّه عليها من هُجوم من الصحف والأحزاب، قال إنَّ المرشد (حسن البنا) قال في مجلس عام: إنَّ القاضي الخازندار "يستاهل القتل" وذلك عندما سَمع بالأحكام القاسية التي أصدرها الخازندار ضد أشخاص من الإخوان في تهمة إحراز قنابل أمام نادي الجيش بالإسكندرية، فاعتبر السِّندي أنَّ عبارة البنا هذه إذنًا بقتل الخازندار.
ادعاء القتل باسم الوطن:
ويضيف محمود الصباغ عن القَتَلة الثلاثة: "لقد استحلَّ هؤلاء الإخوان الثلاثة لأنفسهم القيام بهذا العمل لدوافع وطنية اقتضتها ظروف هذا الحادث واستشعَرها جميع شَعب مصر في حينها"( ).
حسن البنا يتبرَّأ من الحادث:
يقول الدكتور عبد العزيز كامل عضو النظام الخاص بالإخوان ووزير الأوقاف الأسبق، وعضو مكتب الإرشاد إنَّ حسن البنا قال:
"إنَّ كل ما صدر منه من قول أمام عبد الرحمن السّندي تعليقًا على أحكام الخازندار في قضايا الإخوان "لو ربّنا يخلَّصنا منه" أو "لو نخلص منه" أو "لو حَد يخلصنا منه" لم يقصد به تكليف بالقتل، ولكن السّندي فهِم هذه الأمنية أمرًا واتخذ إجراءاته التنفيذية، وأنه (أي البنا) فوجئ بالتنفيذ أما السّندي فقال: "عندما يَتمَنَّى المرشد الخلاص من الخازندار، فرغبته في الخلاص أمرٌ منه"( ).
ويُضيف عبد العزيز كامل: إنها المرَّة الأولى التي يجلس فيها عبد الرحمن مجلس المُحاسبة والمؤاخذة أمام البنا وقيادات النظام، إلى الدرجة التي قال فيها البنا لعبد الرحمن:
- أنا لم أقل لكَ، ولا أحمل المسئولية.
وعبد الرحمن يرد:
- لا، أنتَ قُلتَ لي، وتتحمَّل المسئولية.
وقال الكاتب محسن محمد: ( ) "قال لي فهمي أبو غدير المحامي ـ عضو الهيئة التأسيسية):
- لو كنتُ فتيًا قويًا لقتلتُ الخازندار. وأضاف:
- اعتدى رجل في أسيوط على طفل اعتداءً مشينًا فحكم الخازندار على المتهم بالحبس سنة مع وقف التنفيذ. وأصدر حكما بسجن أم ثلاث سنوات لأنها قتلت ابنتها التي رفضت مصاحبة أحد الأثرياء، و.......... إلخ. وهذه الأحكام الهيِّنة تقابلها أحكام قاسية على الذين يريدون عزة مصر بقذف الإنجليز بالقنابل، إن الخازندار يحل قتله، فهو يقتل دعوة تضم الملايين!
ـ قلتُ: وما موقف الشيخ حسن البنا من هذه الجريمة؟
ـ قال: نُسب إلى الشيخ البنا إنه قال: "ربنا يريحنا من الخازندار" أو "ربنا ينتقم منه" وذلك بعد إصدار الأحكام العنيفة ضد شباب الإخوان.
- محمود الصباغ ومصطفى مشهور يَعلمان بالحادث قبل وقوعه:
علِمَ محمود الصباغ المسئول في التنظيم الخاص، بتكليف عبد الرحمن السّندي لحسن عبد الحافظ، ومحمود سعيد زينهم بقتل الخازندار، وفي ذلك يقول:( )
"زارني الأخ حسن عبد الحافظ بمنزلي قُبَيل وُقوع مَقتل الخازندار وصارَحَني بأنَّ الأخ عبد الرحمن السّندي اختاره مع أخ آخر لقتل الخازندار بك لمِا ظهَر من جُحوده للشعور الوطني وتَعاطفه مع القَتلة والسَّفاحين في أحكامه، وقد ذُهلتُ لهذا الخبَر وأصدرتُ أمرًا صريحًا إلى الأخ حسن عبد الحافظ باعتباري أمير مجموعته إلى ما قبل سفري إلى فلسطين، ألا ينُفذ تعليمات عبد الرحمن في هذا الشأن، ولكن يبدو أن حسن لم يستطع أن يُقاوم رغبته الشخصية في الإتيان بعمل مَرمُوق، فلم يَمتثل لأمري واستجاب لعبد الرحمن، وقد شاء القدَر أن يزورني في اليوم التالي لزيارة الأخ حسن عبد الحافظ لي الأخ مصطفى مشهور، فأبلغته بما دار بيني وبين حسن، وقلتُ له لولا مَرضي لذهبتُ إلى عبد الرحمن لأمنعه عن هذا العمل ورَجوته أن يَنوب عنِّي في ذلك، ولكن إرادة الله الغالبة حالت بين لقاء مصطفى، وعبد الرحمن في الوقت المناسب، فوقع قضاء الله لحِكمة لا يعلمها إلا الله ".
النظام الخاص يحاكم عبد الرحمن السندي ويبرر له جريمته:
يقول محمود الصباغ:( ) "عقَدَت قيادات النظام الخاص مُحاكمة لعبد الرحمن السّندي، وحضَرها حسن البنا، وباقي أفراد قيادة النظام، والدكتور عبد العزيز كامل، ومحمود الصباغ، ومصطفي مشهور، وقد أكدَّ عبد الرحمن في المحاكمة أنه فَهِم من العبارات السَّاخطة التي سَمعها من المرشد العام ضد أحكام المستشار الخازندار المُستهجَنة، أنه سَيرضَى عن قتله له، وأنه نفَّذ القتل فعلاً، وقد تأثر المرشد العام تأثرًا بالغًا لكلام عبد الرحمن لأنه يعلم صِدقه وأجهش بالبكاء، وتَحقَّق للحاضرين أنَّ عبد الرحمن قد وقع في فهم خاطئ، فرأوا أن يُعتبر الحادث قتلاً خطأ حيث لم يقصد عبد الرحمن ولا أحد من إخوانه سَفك نفْس بغير نفْس، وإنما قصدوا قتل روح التبلُّد الوطني في بعض أفراد الطبقة المثقفة من شعب مصر أمثال الخازندار بك، ولما كان هؤلاء الإخوان قد ارتكبوا هذا الخطأ في ظل انتمائهم إلى الإخوان المسلمين وبسببه، فقد حقَّ على الجماعة دفع الدِّية كعقوبة على القتل الخطأ، وأن تَعمل على إنقاذ حياة المتهمَين البريئين من حَبل المشنقة، ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين جُزءًا من الشعب، وكانت الحكومة قد دفعَت بالفعل ما يُعادل الدِّية إلى ورثة المرحوم الخازندار بك، حيث دفعَت من مال الشعب عشرة آلاف جنيه، فإنَّ من الحق أن نُقرر أنَّ الدّية قد دفعتها الدولة عن الجماعة، وبَقيَ على الإخوان إنقاذ حياة الضَّحيتَين الأخرتين محمود زينهم، وحسن عبد الحافظ، واستراح الجميع لهذا الحكم دون استثناء وكانت براءة عبد الرحمن من القتل العمد إجماعية وبَقيَ في موقعه مَرضيًا عنه من الإمام الشهيد (يقصد حسن البنا).
محاولة إنقاذ القاتلين:
يُضيف محمود الصباغ:( ) "صدَق إخوان النظام في الدفاع عنهما (عن القاتلين)، والعمل على نجاتهما مما وقعا فيه نتيجة لخطأ غير متعمَّد من رئيس النظام، فتحمَّلوا مصاريف الدفاع عن المتهمَين، كما تحمَّلتُ بنفسي وضع خُطة لخطف الأخوَين عبد الحافظ، ومحمود زينهم، من سجن مصر تَحسُّبًا لما يُمكن أن يقع في نفس القضاة من غضب لزميلهم فيحكموا عليهما بالإعدام، وحرصتُ على ألا تكون في هذه الخطة فرصة لإراقة دماء، وقد اشترك معي الأخ صلاح عبد الحافظ في متابعة تنفيذ الخطة، فقد كان ولعه بنجاة شقيقه حسن ولعًا كبيرا.
وقد انْبنَت الخطة على الاستعانة باثنين من السجانين في نقل صورة المفتاح الماستر الذي يفتح جميع الزنازين على قطعة من الصابون، حيث يمكن صُنع مفتاح مُطابق له عند البرَّاد الماهر "الخولي" ومن الطبيعي أنني دفعتُ لهذين السجانين أتعابهما عن هذا العمل، وقد كان اختيارهما دقيقا فلم يقصحوا لأحد عن عمليتهما الخطِرة .
كما كان من الخُطة الاستعانة باثنین من المسجونین العادیین الذین تعوَدا الخروج لعیادة طبیة في المستشفیات، وكانت علاقتهما بالسَّجانین المرافقین لهما تسمح بأن یتركوا لهما حرية التنقل وزیارة أهلهما، ثم العودة إلى السجن دون إضرار بالسجَّانین .
وقد تم فعلاً الاتفاق مع هذين المسجونَین على فتح باب زنازین كل من الأخوین حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم، بالمفتاح المصنوع بمعرفتنا ومساعدتهما في القفز من سور السجن في الوقت الذي نتفق عليه، ومن الموضع الذي نتفق عليه، ولقد دفعتُ بنفسي لهذين المسجونین أتعابهما سَخیًا عن هذه العملیة، ولكن إرادة الله شاءت أن یُلقَى القبض علینا في قضیة "السيارة الجيب" قبل تنفیذ هذه الخطة، على الرغم من أن تجربة المفتاح قد نجَحت في فتح الزنازین، كما أن القبض علینا لم یَسمح لنا بتنفیذ خطة بدیلة كانت تقضي بخطف الأخوَین من سیارة السجن عند دخولهما بين مسجدي الرفاعي والسلطان حسن بتهويش حراستهما بقنابل صوت، ثم الفرار بهما بعیدًا عن الموقع المختار.
.
وكان كل ذلك من فضل الله الذي قدَّر لهذين الأخوین أن يخرجا من سجنهما سالمَین مُعافین، ولم یقضیا فيه أكثر من ثلاث سنین، وذلك بأن شملهما العفو الشامل الذي صدر عن كل المسجونین السیاسیین في أوائل أیام ثورة یولیو سنة 1952 وكان من بین الذین خرجوا الأخوین حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم، وجمیع المتهمين في قضایا الأوكار بینما تم القبض على ابراهيم عبد الهادي قاتل الإمام الشهيد، وحُوكم أمام محكمة الثورة وحكم عليه بالإعدام الذي خُفِّف إلى السجن المؤبد".
اقتحام السجن صورة لما حدث في سجن وادي النطرون عقب ثورة 25 يناير 2011:
يقول أحمد عادل كمال في كتابه "النقط فوق الحروف" عن محاولة تهريب المتهمَين بقتل القاضي الخازندار:
"تمت دراسة العملية، مباني السجن من الخارج، ومسَالكه من الداخل، ونظام الحراسة فيه، وأُعِدَّت مُعدات الاقتحام، سلالم من الخشب يمكن طيّها وفردها، وسلالم من الحِبال ذات عُقَد وذات عُقَل من الخشب، واختير مكان الاقتحام من سور السجن الخلفي الجنوبي، ودُرس كل ما سَوف تُقابله مجموعة الاقتحام، وتمَّ اختيار هذه المجموعة ودُرِّبت على العمل الموكول إليها، وانتُخِب السلاح المناسب وكان في جملته من الرشاشات الصغيرة والمسدسات، ولم يكن مع الطرف الآخر من حُراس السجن سوى بنادق قديمة الطراز مما يُحشَى طلقة طلقة، وتم استمالة بعض حرَس السجن وزنازينه وتم تجربتها على أبوابها، وأُعدت السيارات اللازمة للاختطاف، كما أُعد المخبأ الذي يَلجأ إليه الهاربان، ودُرس نظام الإنارة في المنطقة لقَطْع التيار الكهربائي ساعتها، وكان كل شيء يسير في مساره المرسوم، ولكن جاء حادث السيارة الجيب وقُبض على المُخطِّطين وعلى بعض المرشحين للاشتراك فيها قبل التنفيذ، وحتى نفس المفتاح الذي كان مقررا أن يَفتح أبواب السِّجن سَقط مع ما كان بالسيارة الجيب"( ).
رحم الله القاضي الجليل الشهيد أحمد الخازندار وأسكنه فسيح جناته.