صعبٌ أن نتفقَ علي ما لم يَرد فيه نص من كتابٍ أو سنة، لهذا قال أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عمن خرجوا عليه في معركة الجمل: (إخوانُنا بغوا علينا)، ولم يصفهم بالشرك، ولا النفاق، ولم ينفِ عنهم الإسلام، إنما نفي عنهم الإيمان أو كماله.
ولا غرو فإنّ عبارةَ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أكبرُ دليل على حِرص الإسلام علي الألفة والجماعة، أمّا التشرذمُ والفرقة، وتبديعُ المسلمين، وتكفيرهم بعضهم بعضا، إنْ دلّ علي شيء، فإنما يدل علي عوار الفكر، وقصور الفهم .
وبعيدا عن التعصب والتشنج، أقول إنْ كان جائزا أن يُخطّئ بعضُنا بعضا في أمور العقيدة، وما كان قطعيَّ الثبوت، مادام قد توافر الدليلُ علي خطأ المُخالِف، وعُلِم مناطُ النص ومقصدُه، وغيرها من القواعد الأصولية، فإنَّه لا يجوز تخطيئةُ بعضنا في الأمور المُختلَفِ فيها، واتهامُ المخالِف بالكفر حتي وإن كان رأيُه مرجوحا.
ومبرر هذه الدعوى أنَّ وحدة المسلمين من أهم مقاصد الشرع، التي أمر الله بها في غير موضع من كتابه العزيز، منها قوله سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، كما حضَّ عليها نبيُّه في أحاديثَ كثيرة منها: (مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكي منه عضو تداعت له سائرُ الأعضاء بالحمي والسهر) .
والمقصود - هداكم الله - أنه لابد ألَّا يُصادِر أحدٌ رأي أحد، وألّا يُبدِع أحدٌ أحدا، ومن باب أولي ألا يُكفر فريقٌ الفريق المخالِف، وأن نُوسع دائرة الحوار، ونؤصل لقاعدة النقاش بُغيةَ التعلم لا التعالُم، دون تنازع ولا تجريح، وأن نُنصتَ لصوتِ العلم، فالحكمةُ ضالةُ المؤمن أني وجدها فهو أحقُ الناس بها.
ومن صورِ الخلاف غير المُبرَر، التي تتأجج نارها كلّ عام مسألةُ الاحتفال بالمولد النبوي وهل هو جائزٌ أم غيرُ جائز ؟
والجواب أنَّ الاحتفالُ بمولد النّبي جائزٌ طوال العام، وليس في الثاني عشر من ربيع الأول فقط، وإذا كان الاحتفالُ جائزا، فإن طريقة الاحتفال المُتبعة في بعض الأمصار، والتي يكثُر فيها الاختلاط والصخب، وتُرتكبُ فيها المحرمات، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، مثلما يحدث في الموالد وحلقات الذكر البدعي هي المحرمة، أمّا الاحتفالُ الحقيقي فيكون بإحياء سنته، واتباع أوامره، وتلاوة القرآن، الذي يُعدُ معجزة النّبي الخالدة، والعمل بأحكامه، وإتيان أوامره، واجتناب نواهيه .
الاحتفال يكون بتوحيد الصف، وبث روح الانتماء، وقتل أسباب الفرقة في مهدها، والبعد عما تضطرم بسببه نيران التناحر .
ومن صور الخلافات أيضا (صدقةُ الفطر) التي تكون آخر شهر الصيام، وهل نُخرجها نقودا أم حبوبا ؟
والمسألة فيها راجحٌ، وهو إخراجُها حبوبا، ومرجوحٌ وهو إخراجها نقودا، والرأي الأول عمل به كثيرون، والثاني عمل به غيرهم، فلكلّ سندُه ودليله، دون أن يُكفّر البعضُ الآخر، أو يُفسقه، وبمراجعة نصوص الفريقين، أقول لك عزيزي القارئ: (استفت قلبك وإن أفتوك)، المهم أن تُخرِج صدقتك رحمة بالفقراء الذين، يُفتشون في صناديق القُمامة عن كسرة خبز تُقيم أودهم، وتجعلهم متمسكين بأهداب الحياة.
ومن الخلافات أيضا صيغةُ التكبير أيام العيد، وهل يُصلَي فيها علي النّبي أم لا ؟
وباختصار أقول: وردت الصيغتان، ولكنَّ الأرجحَ صيغة عدم الصلاة على النبي، أما الصيغة الثانية، والتي يُصلي فيها علي النبي وآله، وردتْ عَقب معارك النصر؛ لبيان عزة الإسلام، وتأكيد تأييد المولي لعباده أتباع النّبي، وبرغم أنها مرجوحة إلا أنَّ لأصحابها سندا ودليلا مُعتبرا .
وأخيرا أقول إنّ عمرَ الإنسان قصير، وفي الشرع فاضلٌ ومفضول، وراجحٌ ومرجوح، وقويٌ وضعيف، فحريٌ بالعاقل أن يحرصَ علي الفاضل والراجح والقوي، ويترك المفضولَ والمرجوح والضعيف؛ ليُحصِّلَ الثوابَ الكبير بالعمل القليل، ويكونُ هذا بالعلم، وليس باللغط، وشتم بعضنا بعضا كما رأيتُ وأري ما يُعكِّر المزاج، ويدعوا للحسرة، فاعقلوا يرحمكم الله.