ads
الخميس 04 يونيو 2026
-
رئيس التحرير
نهى عمر

التضحية والثمن القاسي.. قصة اللواء سمير فرج والسيدة التي أنقذت أسر الشهداء

اللواء سمير فرج
اللواء سمير فرج

وسط أجواء دافئة في دار الأوبرا المصرية، جلس اللواء الدكتور سمير فرج، مستغرقًا في ذكرياته، حتى اقتربت منه سيدة مسنة بابتسامة ممتنة وقالت: "أنت السبب في أنني حججت بيت الله". 

تلك الكلمات لم تكن مجرد شكر عابر، بل أعادت إليه سنوات من العطاء والتضحية، حيث كان مسؤولًا عن تسهيل الحج والعمرة لأسر الضباط والشهداء، ولم يرفض يومًا طلبًا لوالدة فقدت ابنها فداءً للوطن.

لكن تلك لم تكن القصة الوحيدة التي طُبعت في ذاكرته. هناك حكاية أخرى، أكثر قسوة، تحمل بين طياتها معاني الوفاء والجحود في آنٍ واحد.

المرأة الغامضة.. أم الشهداء

قبل سنوات، تلقى اللواء فرج مكالمة هاتفية من أحد الضباط، يخبره أن سيدة ثرية ترغب في مساعدة أسر الجنود فقط، وليس الضباط. استقبلها في إحدى موائد الإفطار الرمضانية التي نظمتها الشؤون المعنوية، حيث جلست وسط الأسر تستمع إلى معاناتهم، ثم بدأت في تقديم المساعدات بلا حساب. "استمر ذلك لست سنوات، كانت خلالها تخرج من مالها الخاص لمساندة من فقدوا أبناءهم في سبيل الوطن".

لم تسأل عن شهرة أو مجد، لم تذكر اسمها في الصحف، بل عاشت في الظل تقدم الخير بصمت. أطلق عليها اللواء فرج في نفسه لقب "أم الشهداء"، لأنها كانت الأم التي تعوّض الأيتام عن فقدان أمهاتهم الحقيقيات.

المفاجأة الصادمة

مرّت السنوات، وانقطعت أخبارها. حتى جاءه ذات يوم اتصال غيّر كل شيء. "أنا في دار مسنين"، قالت بصوت خافت، بعد أن تخلى عنها أبناؤها، الذين يعيشون بين دبي وأمريكا، بينما ابنتها في مصر، لكن أحدًا لم يسأل عنها.

"أين الفيلا؟ كيف انتهى بها الحال هنا؟" تساؤلات ملأت عقل اللواء فرج، لكنه لم يجد إجابة سوى الصمت.

سارع بزيارتها، وجلس أمامها حاملًا صور أحفادها الذين لم ترهم منذ سنوات، وعندما وقعت عيناها عليهم، انفجرت بالبكاء. "لقد انعزلت عن الدنيا، ولم يزرني أحد"، قالتها وكأنها تلقي بآخر ما تبقى من أملها في الحياة.

وبعد فترة قصيرة، جاءه اتصال جديد، هذه المرة من إدارة الدار: "لقد رحلت".

الجنازة المنسية

لم يحضر أحد من أبنائها، ولم يسأل عنها أحد، وكادت تُدفن في مقابر الصدقة. "لم أتحمل أن تنتهي حياتها بهذه القسوة، فاتصلت بابنها في دبي، لكنه لم يهتم بمكان دفنها"، قال اللواء فرج، الذي تابع جنازتها وحده، مستعيدًا مشهدها وهي تمد يد العون لأسر الشهداء، بينما لم تجد يدًا واحدة تمتد لها في لحظة وداعها الأخير.

"هذه السيدة خدمت مصر وألف شهيد، لكن في النهاية لم تجد من يقف بجانبها. أبناؤها حصلوا على الملايين، لكنهم لم يقدروا أمهم".

كلما مرّ بطريق صلاح سالم، يتوقف قليلًا، يقرأ لها الفاتحة، ويستعيد درسًا قاسيًا عن الجحود الذي قد يقابل به بعض الأبناء أعظم تضحيات الأمهات.

تم نسخ الرابط